كيف نرى السياسة بأعيننا كنساء؟

كيف نرى السياسة بأعيننا كنساء؟

ماريا عباس

في موروثنا الاجتماعي الذي نحمله كنساء، تكوّن في مخيلتنا عن معاني السياسة ماهو خاص بنا، فأصابنا منه ما لا يُحتمل، أشكال شتى من العنف القائم علىينا كنوع اجتماعي على وجه الخصوص. كبرنا ونحن حاملات في أقدامنا أغلال بختم السياسة التي تعيق كل حراك إبداعي وفكري تحرري، السياسة التي طالما طمست السمات الإنسانية فينا، في تكافؤ غير عادل مع الآخر (الرجل).
وهذا ما اُستبعدت به النساء تماماً من السياسة التي رسمت معالمها وفقاً للرؤى الذكورية. أما النتيجة هي استمرار العملية بدهاء شديد للحفاظ على فكرة واحدة المرأة مجرد جسد للمتعة والإنجاب والأعمال التي تخدم العالئلة.
إنها اللعنة بعينها، هكذا أصبحنا نرى سياسة دولنا بمعالمها التي نحتت بقسوة قبضة متجبرة في أذهاننا. يقول ليون تروتسكي الاشتراكي الثوري في إحدى مقولاته الشهيرة " من أجل تغيير شروط الحياة، علينا أن نشاهدها من خلال أعين النساء"
كيف إذاً سيتمكن العالم من رؤية هذه الحقيقة، وهم يحاولون وبقانون السياسة إغلاق أعين النساء طوال الوقت؟
طوال عصور طويلة من الزمن حيث سادت في العالم سياسات القيم الأبوية المشحونة بالقمع والظلم والاستبداد، فأنتجت الحروب بين الجبابرة، وجرفتنا كالسيول بلا رحمة، غمرتنا حدّ الاختناق وجرت بنا، ونحن نصارع خوفنا، ورغبة البقاء على قيد الحياة تشدنا، لعلنا نستعيد شيئاً من التوازن ونتنفس مابقي من أرواحنا. ولازالت السيول تجرفنا كأشياء لا روح فيها.
لنعدّد على أصابعنا بتروّي ما تحدثه وقع الكلمة فينا: الرعب، السلطة، الاعتقال والعنف، الرئيس الديكتاتور، المخابرات، الحدود والحروب والفقروالاستغلال، اللجوء وأشياء أخرى، مشاعر سلبية لا يمكن حصرها. كلنا يعلم أن مصطلح السياسة هو مجموعة من وجهات النظر والأفكار التي يعتقدها الفرد نحو السلطات والحكومة، ومجموعة نشاطات حكومة بعينها لتدبير شؤون دولة ما، لكننا في حقيقة الأمر لا نراها إلا خادمة لتسيير شؤون أقلية متجبرة على حساب أكثرية تعيش المعاناة بمعايير سياسة البقاء للأقوى.
يمنعون المرأة من التعليم في أفغانستان، يحرقونها، ويرجمونها بالحجارة في إيران، يسبّونها ويبيعونها في أسواق النخاسة في العراق، يقتلونها في سوريا ويحرمونها من أبسط حقوقها، يجوّعون أطفالها في اليمن، يزجون بهن في السجون في السعودية. حتى الهاربات إلى دول أوربية تلاحقهنَّ التهديدات وتعشنَ كوابيس سياسة بلدانهنَّ لإطفاء كل رغبة منهن بالحياة الحرّة.
ونحن نتابع محتوى وسائل التواصل الاجتماعية، ووسائل الإعلام كالتلفزيون مثلاً من برامج وأخبار، وحتى الإعلانات الترويجية التي تمسُّ، وتؤثر في حياتنا الخاصة جداً، هذه العموميات تحديداً هي بوصلة السياسة التي توجه العالم وتدخلها في دهاليز السياسات التي هندستها باحترافية عالية، وهي التي تتقاطع مع طريق محاولات النساء في الوصول لحقوقهنَّ، والتي تتجابه مع مصالح من خطط لتسود قيم القوة والسلطة الذكورية في كل مكان. إذاً هذه هي سياستهم وليست سياستنا.
سطوة مصطلح السياسة، وثقل ظلّها، أزيز يشبه خوفنا من طلقة رصاص، وظلّ خيمة تذلنا. بالإكراه تسللت إلى زوايا البيت وأعيننا مفتوحة تراها، في المطبخ، في غرفة الجلوس، المدرسة والشارع، مكان العمل. قدرتها عجيبة في التسلل حتى إلى غرف نومنا وأحلامنا وممارسة الرقابة على أسرتنا. سبابتها تنذرنا في كل حركة بأننا نساء.
كلٌ منا يفكر بطريقته الخاصة، بالأمور التي تعنيه، بالبحث عن ذاته في مكان ما، وايجاد انتماء ما يناسبه، كلّ ما في الأمر إننا في حقيقة الأمر ندخل ونخرج من باب واحد هو "باب السياسة" حتى وإن كنا نتوهم أننا نصنع لأنفسنا سياستنا الخاصة. دستورهم، ديمقراطيتهم، قوانينهم، حربنا، ثورتنا، قانون أحوالنا الشخصية، المساواة الجندرية التي نطالب بها، هي صراعات افتعلتها السياسة.
ويأتيك من يسأل: لماذا تبتعد النساء عن الساحة السياسية في بلداننا؟
يتسرع البسطاء في الجواب: لا يوجد نساء خبيرات، ولا مهتمات أو قادرات على خوض مضمار السياسة. وكلّ ما في الأمر ببساطة، إنهم حين يبحثون عن النساء لايجدون فيها إلا أجساداً أنثوية، حتى وإن كانت في أعلى مركز للسلطة، فما أن ترتكب خطأ ما حتى يبرر ذلك بكونها امرأة لا يشفع لها علمها وعملها. لا تبذل سياسة الأحزاب جهداً في إعداد نساء ليصبحن منافسات لهم.
كانت الأنثى هي أصل الشيء كله، لكن النظام الأبوي السياسي رسّخ فكرة العكس، وطمس الحقيقة ليصدّقها البسطاء من الناس، وتسري قوانين الأدوار النمطية التي استغلوها لحسابهم وضد النساء أولها الحمل والإنجاب.
ما أنسب ما قاله تروتسكي في سنة 1920 لحالتنا في بداية الألفية الثالثة، ونحن نعيش التمييز، التهميش والإقصاء في المنزل، المجتمع، السياسة، الإقتصاد.
" إنّ إنجاز المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة داخل الأسرة يعدّ... مشكلة شاقة. إذ يجب ان تحدثَّ ثورة في عاداتنا العائلية حتى يحدث ذلك. وحتى الآن فمن الواضح تماماً أنه مالم يكن هناك مساواة فعلية بين الزوج والزوجة في الأسرة، بالمعنى الطبيعي وكذلك ظروف الحياة، فإننا لانستطيع التحدث بجدية عن مساواتهم في العمل الاجتماعي او حتى في السياسة".
التقسيمات الجندرية التمييزية قائمة في بلداننا، وإن لم تناضل النساء السياسيات وتبذلنَّ جهوداً مضنية لإسماع أصواتهن والمطالبة بحقوقهنَّ لن تصبح هناك إنجازات.
لوبقي الرجال وحدهم قروناً لم ولن يدافعوا عن حقوق النساء وسيلتزمون بالصمت لأنهم مرتاحون على مايبدو لهذا الإقصاء، وراضون عن تمثيلهم لدور الرجل الأبله الذي لا يدري عن وضع شريكته. فقانون الأحوال الشخصية خير مثال كونه يمثل الركيزة الأولى للعنف الممارس والمقونن على النساء، ومطالبتنا بتغييره هي السياسة التي نراها الانسب لنا، وهو مايمثل المجابهة الأقوى لكل التشريعات والسياسات والعادات الاجتماعية التي تتحكم بحياتنا كنساء وإن كنا ننتمي لأعراق واديان متنوعة.
التفكير في حالتنا كنساء في العالم العربي، في النصف الجنوبي من العالم، تجذب إلى نفوسنا كآبة العالم بأسره، فكم من الوقت نحتاج لكي نخرج عن طور مقارناتنا بالسياسات السلبية التي تجاوزتها الكثير من البلدان بنضالات النساء؟!!
هل مازال البعض يعتقد أن النساء يمكن أن تصمت إزاء ما يحدث ونحن في عصر الاتصالات الحديثة والعالم كله يتحول إلى الرقمية؟
الانزواء في أماكن مظلمة لم يعد حلاً مقبولاً، القواقع التي صنعتها قيم المجتمع الأبوي لن تمنعهن من الخروج من عزلتهنَّ.
العالم يشهد الآن اندلاعاً لحروب وكوارث جديدة، يشهد تغييرات سريعة، تخبطات في السياسات العالمية بأكملها، ثورات الربيع العربي، جائحة كورونا، هواجس الحرب النووية، حرب روسيا على أوكرانيا، وضع النساء في أفغانستان، الثورة الرقمية، مستوى العنف والفقر المتصدر قوائم التقارير العالمية، كلها مؤشرات خطيرة تحدد مسارات حياتنا الخاصة.
السياسة الحقيقية هي التي نراها بأعيننا، والتي نتحدث عنها بأصواتنا المسموعة، ونمارسها بدفاعنا الشرعي عن قضايانا، وإخراجها من طور الخصوصية والحساسية وجعلها تتصدر الفضاء العام، هكذا نغير فيها ونحولها إلى سياسات عامة، حتى وإن اعتقدوا إنها لا تخصّ سوانا نحن النساء.