من حكايات الأرمن

من حكايات الأرمن

صالح محمود

في إحدى مقابلات الفنان الأرمني آرام ديكران مع فضائية كردية أجاب على سؤال لماذا يغني باللغة الكردية ؟ قال: إنه ينفذ وصية المرحوم أبيه الذي طلب منه ذلك فيما مضى قبل رحيله، واسترسل ديكران قائلاً: إن أباه قد اعترف له أنه مدين بحياته لعائلة كردية شجاعة وفرّت له الحماية والملاذ الآمن في أيام سوداء وعصيبة ، ولولا وقوف هذه العائلة معه " لم أكن أنا ولم يكن بالتالي أنت "، هذا ما تفوه به أبوه وأقرًه قبل رحيله.
ففي أيام مجازر الأرمن هرب والد ديكران من القوات التركية التي كانت تلاحق الأرمن وتقتلهم على الهوية، وتبيد حتى صغارهم ولا ترحم أحداّ منهم، واحتمى بأحضان أسرة كردية وفّرت له الأمن والحماية، وكانت سبباً في خلاصه وإنقاذ حياته عندما خبأته لفترة طويلة عن أعين المتربصين والحاقدين، ونتيجة هذا الفعل تعرض أفراد هذه العائلة للمساءلة والتحقيق والمتاعب بسبب إخفائها والد ديكران، وتسترها عليه، حيث كانت تخفيه في حقول الكرم أحياناً وفي اسطبلات الجياد أحياناً أخرى، وبذلك كُتب له عمر جديد، وقد تعرضت هذه الأسرة إلى ابتزاز مالي ومضايقات كثيرة بسببه ولكنها مع ذلك أبت أن تسلمه لأحد أو أن تكشف عن مخبأه المتغير دوماً، قيم العائلة الفاضلة وإخلاقها العالية لم تسمح لها أن تسلم الهارب ديكران الى أيادي القتلة والحاقدين على الأرمن، لذلك طلب الأب من ابنه فيما بعد وعرفاناً بالجميل بعد أن كشف موهبة الغناء عند ولده أن يغني بالكردية وأن يتضامن ويناصر الكرد أينما كانوا في قضيتهم كنوع من رد الجميل والمعروف.

حكاية أخرى:
إبراهيم خاجو ذلك الصانع الحرفي الأرمني المشهور يعرفه الجميع، لقد كان له دكانة صغيرة في سوق ديريك القديم يرقّعُ فيها الأحذية القديمة ويصلّح كل شيء حتى الأدوات الكهربائية القديمة من راديوهات وأفران ومراوح وكذلك أجهزة التلفاز المعطلة لا يمتنع في استقبالها ويجري لها صيانة جميلة، لقد كان إبراهيم صانعاً ماهراً لا يعلو عليه، وقد وافته المنية منذ عدة سنوات .
في أواخر الخمسينات من القرن الماضي تزوج ابراهيم خاجو من فتاة أرمنية شقراء، لم يعرف لها أهل او أقارب، وهذه الفتاة كانت قد هربت من المجازر الأرمنية في تركيا مع أخيها عابرين الحدود إلى سوريا من جهة كوردستان، وهي ماتزال في سنٍ صغيرة وقد ضاع عنها أخوها في خضم المعمعمة التي حدثت آنذاك على الحدود السورية التركية، وافترقا هناك، واحتضنت هذه الفتاة وتكفلت بتربيتها عائلة مسيحية من ديريك، ودارت الأيام وكَبُرت الفتاة ونُضجت
وبلغت سن الزواج و تقدم لخطبتها الشاب ابراهيم خاجو وطليها من متكفليها وتزوجها، ومضت الأيام ومرّت السنين وتداول الناس قصص الأرمن وأصبح الناجون يبحثون عن أقربائهم وذويهم الضائعين والمفقودين، وشاءت المصادفة أن تسوق الأقدار رجلا اسمه مروان إلى دكانة ابراهيم خاجو لقضاء بعض حاجاته، وزاد تردده عليه حيث كان ابراهيم خاجو صاحب السبع كارات، وفي كل مرة كانا يتجاذبان أطراف الحديث وفي شتّى المجالات، ومن سرد إلى سرد ومن حديث إلى حديث آخر تبين إن الرجل ذو أصول أرمنية وعبر الحدود منذ كان صغيراً مع شقيقته التي ضاعت منه بعد أن نجوا من بطش الأتراك ومن الموت المحتم ودخلا إلى سوريا من جهة الشمال الشرقي ومنذ ذلك اليوم لا يعرف لها خبراً ولا يعلم لها أثراً، ومن كلمة الى كلمة ومن سيرة الى سيرة تبين أن ذلك الرجل هو الأخ الشقيق لزوجته، طبعاً سبق ذلك شكوك وهواجس دارت في رأسه عن وجود شبه كبير بين هذا الرجل الذي يدعى مروان وبين زوجته وتوفر سحنات وملامح مشتركة بين الأثنين وبعد تأمل طويل و جهد جهيد قطع خاجو الشك باليقين وتأكد إن الرجل الذي يتردد عليه هو الأخ الضائع لزوجته الأرمنية وإن الحظ قد ابتسم لها وأراد لها خيرا وأن تلتقي بأخيها لقاءً حاراّ وحميمياً بعد فراق دام أكثر من ثلاثين سنة ، كبر خلالها أخوها وترعرع في كنف عائلة كردية مسلمة وبالتالي اصبح الإسلام دينه ومعتقده وبالمقابل الفتاة تربّت وترعرعت في كنف عائلة مسيحية ونمت وكبرت وهي مسيحية ولأولادها خالٌ مسلم يدعى مروان ، وهو يسكن قرية صغيرة اسمها "ملا مرزة "،وهذه نهاية حكايتنا الثانية .