فالصو - قصة
شمس عنتر
الرب لم يخلق سوى الماء، لكن الإنسان صنع الخمر.
فيكتور هيغو
إنه السَحر، وهي خارجة سحبت الباب من خلفها، وأحكمت إغلاقه، مشت عدة خطوات ثم عادت لتتأكد بأنها قد أغلقته، ثم حشرت يدها بين ثوبها وصدرها، وسحبت السلسلة لتتأكد من وجود المفتاح في نهايتها ثم تركته ينزل بحرية بين نهديها اللذين يشبهان بالونين غير منفوخين، لم تكن منتبهة لخطواتها، تتلفت كثيراً، الهدوء مخيف.
وصلت إلى الفرن، الطابور كالقطار، وقد كانت تعتقد إنها ستكون أول الواصلين، لم تجد لديها الهمة ولا الرغبة في تبادل الأحاديث، بقيت صامتة حتى استلمت ربطة الخبز، والتفتت عائدة إلى البيت، كانت تسمع صوت احتكاك شحاطتها البلاستيكية بإسمنت الشارع، إنه الفجر تذكرت أدعيتها المفضلة، أهل الحي يقولون: اللهم ارزقنا على قولة عنود.
لمحت من بعيد صرة أمام باب بيتها، الله يرزقهم، قالت ذلك والتقطها فرحة ثم فتحت الباب.
من عادة أهل الحي وضع هكذا الصرر أمام بيت عنود وهي لا تقصر بالدعاء لهم، وغالباً لا ترى من وضع الصرة.
الأولاد مازالوا نياماً، والوقت مبكر للذهاب إلى عملها حيث تبيع الألبسة المستعملة في الأسواق الشعبية، فتحت الصرة اندهشت من المنظر، محتوياتها مختلفة وأكثر ترتيباً من أي صرة أخرى، فعادة تكون قطع الثياب بالية أو معيوبة أو موديلها قديم، أما هذه فتبدو وكأنها جديدة حتى أنها لا تشبه ما يلبسه أهل الحي، بل ومميزة.
فرزت القطع، هذه لسيماف وهذا لأحمد وهذه لنالين والبقية سأبيعها، وهنا سقط من بين الطيات عقد ذهبي أصدر صوت رنين دل على وزنه الثقيل، التقطته عنود وهي في حالة ذهول وقربتها من النافذة الوحيدة التي تسمح بزيارة الشمس ولوقت محدد، فارتبكت وارتجفت يداها فهي لم تحمل بين يديها هكذا قطعة حتى في يوم عرسها وإنما كان سلسالا أشبه بخيط ينتهي بقلب أشبه بالكرتون فقد كان يطوى تحت أي ضغط ولم يلبث زوجها المرحوم أن باعه في الشهر الثاني لزواجهما ومنذ ذلك التاريخ وهي محرومة من لمس الذهب. فكرت كثيرا ماذا ستفعل بها؟
ولم تصل لأي قرار، لفت العقد بخرقة ووضعته بين طيات لحاف ملفوف ثم ربطت اللحاف بخرقة أخرى وحشرته في الزاوية. وبقي العقد يشغل بالها كانت كلما لمحت إحدى الجارات تسألها اذا كانت قد رأت من الذي وضع تلك الصرة، لكن لم تصل لأي نتيجة، فكرت أن تذهب به إلى السوق وتبيعه وتشتري بثمنه براداً، للبيت فالصيف قاس بدون الماء البارد، أو غسالة، أو تعمل عملية المرارة فتلك الحصى تتسبب لها بنوبات من الألم، لكنها خائفة، ماذا لو سألها الصائغ من أين لك هذا؟ ربما تتهم بالسرقة، وربما تسجن.
قررت أن تخرج إلى الشارع وتسأل لمن هذا العقد وهكذا تعيده لأصحابه لكنها تراجعت، لا هذا غير معقول حتماً سيتهمونها بالسرقة.
وبقيت أسبوعا كاملا في تلك الحيرة والارتباك، ولاحظت صاحبة لها في السوق البالة أنها ليست على طبيعتها. وبعد حديث طويل بينهما أفضت عنود لها بالسر.
قالت صاحبتها باستهزاء وتصدقين أنه ذهب! فعلا أنت غشيمة، قد تكون قطعة تقليدية لا تساوي الف ليرة.
هنا عنود شعرت وكأنها سقطت في قاع بئر لا قرار له، نعم معك حق، هل أنا ممن يليق بهم الذهب.
في اليوم التالي أخرجت القطعة من مخبأها وطلبت من صاحبتها أن تسأل قريبا لها يملك محل بقالة في السوق ويعرف بعض الصاغة فليسأل اذا كان ذهبا حقا.
عاد الرجل مساء مكفهر الوجه والآسف مرسوم على ملامحه.
يا أم أحمد أنها "فالصو" ما جابت غير الفي ليرة خذي هذه وسلمها كيسا فيه خضروات وقفل راجعا وهو يتحسس عبه حيث خبا الفي دولار جاءته من السماء، ولا حرام عند الواجب، فهي لن تعرف كيف تتصرف بهكذا مبلغ. أنا سأنفق عليها ساعدني يالله!.