القمة العربية ... وسياسة المراوغة وكسب المصالح

القمة العربية ... وسياسة المراوغة وكسب المصالح

عزالدين ملا

اختتمت القمة العربية الـ32، يوم الجمعة 19 أيار 2023 أعمالها في مدينة جدة السعودية، أمام تضارب في الرؤى والمواقف الإقليمية والدولية، وخاصة حضور رئيس النظام السوري بشار الأسد القمة بعد غياب 12 عاما والمتهم بقتل الشعب السوري وتدمير مدنها إلى جانب الاتهام الفظيعة في تجارة المخدرات وخاصة حبوب كبتاغون. وكذلك حضور الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي بطائرة فرنسية، هنا يضع الجميع أمام سياسة وواقع جديد ومعقد.
1- كيف تحلل كل ما جرى حول القمة العربية؟
2- ما هو الرابط بين حضور رئيس النظام السوري وحضور رئيس أوكرانيا زينلسكي في القمة؟ وهل لأمريكا دور فيها؟ ولماذا؟
3- لماذا وافقت الدول العربية على حضور رئيس النظام وهم من منعوا حضوره قبل 12 عاما؟ ما الذي تغير؟
4- ما دور أمريكا وحلفائها من جهة ودور روسيا وحلفائها من جهة أخرى في كل ما جرى القمة العربية؟ كيف؟ ولماذا؟

القمة العربية وخفايا وأسرار مسارات الأزمة السورية
تحدث الأكاديمي المختص بالقضية الكُردية وسكرتير البارتي الطليعي الكُردستاني- سوريا، الدكتور إسماعيل حصاف لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «لا شك أن إجهاض الحركات الثورية في العالم العربي، وحماية النظام السياسي العربي السائد، وعدم المس بالجغرافيا السياسية، أحد أهم مرتكزات سياسة الجامعة العربية وقممها. فالقرارات الصادرة عن مؤتمرات القمم العربية منذ عام 1946 وليومنا تتمحور حول جملة مبادئ من قبيل: عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول؛ ووحدة وسلامة أراضيها؛ والمتاجرة بالقضية الفلسطينية. مع أن اغلب قراراتها صوتية وتنديدية لا قيمة لها على أرض الواقع (أقوال لا أفعال)، مؤتمرات المجاملة والعتاب والثناء. وإذا أردنا معرفة الأسباب، فهي أن الدول العربية تفتقر إلى وجود الحركات الثورية الراديكالية الموجودة مثلاً في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وفي بعض الدول الأفريقية، والهادفة إلى تقويض النظام الاجتماعي – الاقتصادي جذرياً، وتغيير فلسفة وبنية العقل الثقافي. إلى جانب ذلك، فمعظم قرارات القمم العربية تخدم أجندات خارجية، وتناهض إرادة شعوبها، وتستند على آلية حماية الطبقات والفئات الحاكمة، السياسية منها والعسكرتارية.
وفيما يتعلق بالقمة العربية الثانية والثلاثين في جدة يوم 19 أيار 2023، فقد جاءت انعقادها في ظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد، حيث باتت الولايات المتحدة الأمريكية تفقد نفوذها في كثير من مناطق العالم بسبب تدهور النظام الدولي القائم على أحادية القطب، نتيجة حدوث تغيير القوى والتناحر بين القوى الدولية الفاعلة وفقاً لعوامل القوة الاقتصادية والتكنولوجيا، وفقدان أمريكا لقوة الردع. وربما فكر بعض قادة العرب إيجاد مكانة لهم ضمن التصنيفات الجديدة القادمة، وخاصة أن قمة جدة تأتي بعد القمة العربية- الصينية في السعودية. وإن ما يحدث هو عبارة عن صياغة تحالفات ومحاور جديدة في الشرقين الأوسط والأدنى.
يتابع حصاف: «حضر كل من الرئيسين السوري بشار الأسد والأوكراني فولوديمير زيلينسكي اجتماع القمة في جدة استجابة لدعوة من الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز. وإذا كان حضور الأسد تقرر في اجتماع عمان الذي حضره وزراء خارجية كل من السعودية ومصر والأردن والعراق وسوريا، فإن حضور زيلينسكي كان مفاجئاً، وأثار حضوره بهذا الشكل خلافات بين زعماء العرب. ومن المعروف أن زيلينسكي هو مشروع أمريكي – إسرائيلي، وبالتالي فإن حضوره جاء بضوء أخضر من الدولتين وإرضاءً لهما. ويشير ذلك إلى أن قمة جدة عبارة عن توافق أمريكي – روسي – صيني. ومن جهة ثانية، فإن حضور زيلينسكي بجانب الأسد الذي شارك في القمة العربية بعد غياب استمر اثني عشر عاماً، رسالة أمريكية واضحة إلى الدول العربية وروسيا أن أيّ حلٍّ مستقبلي للأزمة السورية، لن يتم بمعزل عن حل الأزمة الأوكرانية، وفقاً لسياسة المقايضة والتلويح بالورقة الأوكرانية عند الحديث عن أيّ مشروع سلام في سوريا، وحشد الدعم للقيادة الأوكرانية.
يضيف حصاف: «إن آخر قمة عربية حضرها بشار الأسد كان عام 2010 في مدينة سرت بالجماهيرية الليبية، ومعظم القادة المشاركين فيها لم يعودوا موجودين سوى الأسد. والملفت للنظر، أن السعودية تقف وراء تجميد عضوية سوريا وإعادتها، فالملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز هو الذي دفع الدول العربية بسحب سفرائها من دمشق ومقاطعتها في آب 2011، قبل أن تجمد عضويتها في الجامعة العربية بقرار من وزراء الخارجية العرب في تشرين الثاني 2011، رداً على قمعها الاحتجاجات التي انطلقت في آذار من العام نفسه. وجاء قرار حضور الأسد لقمة جدة أيضًا بقرار من وزراء الخارجية العرب وبناء على الطلب السعودي.
ويعتقد حصاف: «أنه لم يكن تبني الدول العربية للثورة السورية ودعمهم لها من أجل انتصارها، بل ترويضها وإبقائها تحت أجنحتهم وإفراغها من محتواها في الوقت المناسب. ويعتقد الزعماء العرب، بأن عملية التغيير الثوري في أي بلد عربي، هو تهديد لمستقبلهم السياسي، وبالتالي ركبوا أمواج الثورة للسير بها وفقاً لمصالحهم ومن ثم إغراقها في اللحظة المناسبة.
لكن، لماذا دعت الدول العربية الأسد إلى قمة جدة الآن؟ يتصور حصاف: «ان هناك الكثير من الأسباب الإقليمية والدولية التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار، ويمكن تصنيفها كالآتي:
1- تردّي الأوضاع الاقتصادية والأزمة الإنسانية في سوريا إلى حد لا تطاق. فالشعب السوري طوال هذه السنوات تعرّض للقتل والتدمير والاعتقالات التعسفية والتهجير ووقوع جرائم حرب، حيث يعيش أكثر من 90% منهم في حالة فقر شديد، ويعاني 12 مليون مواطن من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج حوالي 15 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية. ولهذا، دفعت الأمور بالمواطن السوري أن يحلم الآن وبعد مرور اثنتي عشرة سنة على اندلاع الثورة، بأسطوانة غاز ورغيف الخبز والكهرباء، وأن ينام مستقراً دونما خوف، بدلاً من الحرية والديمقراطية التي سلبوها منهم. وهذا العامل، بات مخيفاً للحكام، فقد يلجأ الشعب إلى العنف وقيام ثورة الجياع وتوسيع دائرة الأمور لتحرق معها الدول المجاورة.
2- العامل الثاني يتعلق بملف اللاجئين، الذي بات يشكّل ثقلاً كبيراً على دول الجوار السوري، حيث تستضيف كل من تركيا ولبنان والأردن والعراق وإقليم كوردستان ملايين السوريين. فأكثر من 13 مليون سوري لجؤوا للخارج، وثلاثة ملايين نازح في مناطق المعارضة وخاصة في المناطق الكردية بعفرين وجنديرس وسري كانيه وتل أبيض، وطرد السكان الأصلاء الكرد من قراهم وبيوتهم.
3- ملف المخدرات التي تصنع وتصدر من سوريا إلى دول الخليج والأردن وأبرزها حبوب "الكبتاغون".
4- فقدان المعارضة مصداقيتها، إذ تحولت أغلبها إلى فصائل مرتزقة لا تخضع لأوامر الائتلاف، وتتبع تركيا، وتقوم بانتهاكات فظيعة وتقوم بعملية التغيير الديموغرافي بدعم من دولة القطر وبعض المنظمات الإسلامية ومنها الفلسطينية في بناء مستوطنات لتوطين الآن المستوطنين القادمين من السوريين، بهدف إمحاء كوردستانية عفرين والمناطق الكردية الأخرى. وكذلك الحال في مناطق مثل النبل والزهراء وجنوب دمشق حيث تجري توطين المسلمين الشيعة على حساب السنة.
-التوافق السعودي – الإيراني بوساطة صينية وبدعم من مجموعة الدول العربية، والذي ينصُّ على إيجاد مخرج للأزمة السورية بتوافقات دولية، قد يتضح خيوطها في قادم الأيام.
-فشل السياسة الأمريكية في سوريا والعراق وأفغانستان، هذه السياسة التي لا تجنح لحل الأزمات بل تأجيجها مما خلق يأساً في الشارع ضد سياسة المماطلة وخلق الفوضى. وإذا كانت سياسات أمريكا تعتمد على المدى البعيد، فالشعب يريد عودة السلم والاستقرار اليوم قبل غد.
-اما العامل الآخر، فهو أن المسألة السورية لم تعد من أولويات روسيا منذ سنين وخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.
ويردف حصاف: «أن أساس المسألة السورية قضية دولية بامتياز، لكنها اليوم لم تعد من أولويات السياسة الخارجية الروسية والأمريكية، بالرغم من أن الشرقين الأوسط والأدنى تبقى نطاقاً استراتيجياً حيوياً للأمن القومي الأمريكي والروسي لأسباب تاريخية – سياسية واقتصادية.
يرجح حصاف: «أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أعطت الضوء الأخضر لحكام العرب، وعلى رأسهم الملك السعودي بتوجيه الدعوة للأسد، فتشابك الأحداث، وتوتر العلاقات الأمريكية – الروسية على خلفية الصراع على أوكرانيا، قد أدت إلى تعقيد المسألة السورية التي تبحث عن حل ديمقراطي نهائي عادل. وهذا الحل أصبح ملحًا يعرض نفسه بقوة على الجهات الموجودة في سوريا ومنها على أمريكا. ناهيك عن أن الملف السوري يرتبط بجملة من الملفات والقضايا الساخنة في الشرق الأوسط. ومن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية حماية أمن إسرائيل ودعم الاستقرار في لبنان والأردن، وتخفيف التصعيد غير الضروري مع روسيا في ساحة تعتبر هامشية للمصالح الأمريكية، وانفتاح العرب على سوريا لتقليص النفوذ الإيراني في سوريا وإضعاف تأثيراته، لتحقيق توازن للقوى في المنطقة. وكان حضور زيلنسكي للقمة انتصاراً أمريكياً بغية حشد الرأي العام العربي للدفاع عن الشعب الأوكراني، ودق أسفين بين حكام العرب بغية ضعف الجبهة الموالية لروسيا في حربها الأوكرانية. بيد أن واشنطن لا ترغب في الانخراط بشكل مباشر في خطوات التطبيع مع دمشق وإعادة تأهيله إقليمياً ودوليًا. ولن تعلن رسميًا موافقتها على تلك الخطوات، لأن ذلك سيترتب عليها التزامات دولية وخاصة على صعيد الأعمار».
بالنسبة لروسيا يقول حصاف: «كان حضور الأسد للقمة نصراً للدبلوماسية الروسية، بدعم من مجموعة "بريكس"، وتزايد الدور الصيني المتعاطف مع روسيا في المنطقة. وتعتبر الانفتاح العربي على سوريا واحدة من أولويات السياسة الخارجية الروسية، اعتقادا منها أن ذلك ستسهل العملية السياسية وانهيار نظام العقوبات وعودة العلاقات السورية مع دول العالم، وشرعنة وجودها في سوريا».
بالنسبة لمقررات المؤتمر يضيف الدكتور اسماعيل حصاف: «أنها لم تأت بجديد، ولم تقدم حلولًا ومقترحات للقضية السورية. ومع أن أغلب المقررات كانت لصالح روسيا. فقد جاء في البيان الختامي للقمة "تكثيف الجهود العربية الرامية إلى مساعدة سوريا على تجاوز أزمتها" و"تعزيز الظروف المناسبة لعودة اللاجئين السوريين والحفاظ على وحدة وسلامة أراضي سوريا" و"الترحيب بالاتفاق الذي تم بين السعودية وإيران لتفعيل اتفاقية التعاون الأمني والاقتصادي بينهما" و"التأكيد على وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية"، وهو ما جاء في كلمة الأسد بالقمة. فكل هذه المقررات أقرب إلى السياسة الروسية. كما تجاهلت قمة جدة اللجنة الدستورية في جنيف، والإفراج عن المعتقلين وتلبية مطاليب الشعب السوري وإجراء عملية سياسية حقيقية وفقا للشرعية الدولية وفقا للقرار 2254. ولاسيما أن الحرس القديم في عهد الأسد -الأب، لازال متمسكاً بالحل الأمني ورافضاً أي حديث حول إجراء تغييرات في بنية النظام والتجاوب مع مطاليب المعارضة ووضع دستور جديد للبلاد وبناء دولة فيدرالية ديمقراطية تعددية. وأكد مؤتمر جدة في مقرراته "التأكيد على احترام وقيم وثقافات الآخرين"، دون ذكر اسم الشعب الكردي الذي يشكّل القومية الثانية الرئيسة في سوريا وكذلك الكلدو- آشور وغيرهم من الأقليات الأثنية والطوائف الدينية. وإن تجاهل حلّ القضايا القومية والمذهبية في سوريا -مفتاح الديمقراطية الحقيقية.
يختم حصاف: «أن انعقاد مؤتمر القمة العربية في جدة وحضور الرئيس السوري، يشكّل منعطفاً تاريخياً في مسارات الأزمة السورية، وقد تكشف لنا الأيام القادمة عن خفايا وأسرار تتعلق بخارطة الطريق لحل الأزمة المزمنة السورية من ناحية، وبتوازن القوى والمحاور الجديدة في الشرقين الأوسط والأدنى».

استعراضات القمة العربية وعملية فخ النظام السوري
تحدّث رئيس اتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرُد السوريين، عبد الباقي حسيني لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «الذي جرى في قمة جدة لم يكن اعتباطياً ولم يأتِ من فراغ، بل تم دراسته بعناية مشددة، ويمكن تفسير الأمر بنقطتين: الأولى، لا يمكن للعرب عامة وللسعودية خاصة أن يقوما بأمر من هذا القبيل إلا بالحصول على الضوء الأخضر من الأمريكان. أن حضور بشار الأسد إلى القمة العربية، دون محاسبته على جرائمه في سوريا وهو المحاط بنفس الوقت بجملة من العقوبات والقوانين التي تجرمه. أعتقد أنها خطة أمريكية – عربية، لاستجرار بشار الأسد إلى القمة للموافقة على حل الأزمة في سوريا والقبول بقانون 2254 والذي يفضي إلى الحل السياسي للأزمة السورية، وكذلك مناقشة موضوع إدخال المخدرات إلى دول الخليج. النقطة الثانية، ربما تكون مغامرة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان آل سعود لإنجاز عمل سياسي ملفت للنظر حتى لو كلفت السعودية مليارات الدولارات، أن يقوم بإغراء بشار الأسد مادياً، ويتكفل بإعادة أعمار سوريا لاحقاً، شرط أن يقبل بالحل السياسي، وينهي الأزمة السورية. هذه الخطوة صعبة جداً، لأن قبول بشار الأسد بقانون 2254 ستكون نهاية حكمه، لذا لن يقبل بها. وهو رفض عملية التدخُّل في الشؤون الداخلي لسوريا، من خلال كلمته في مؤتمر القمة. أما ما يخصُّ حضور رئيس أوكرانيا في القمة العربية وإلقاء كلمة فيها، تفسر أيضاً، على أنها لعبة أمريكية، لإعطاء قيمة معنوية لـ زيلينسكي، وإرسال إشارة إلى بوتين، أن الدول العربية تقف بجانب أوكرانيا لاستعادة أراضيها المحتلة. أو يمكن تفسير حضور زيلينسكي، على أنها عملية استعراضية من الأمير محمد بن سلمان، لكسر الروتين المعتاد عليه في اجتماعات القمم العربية.
يتابع حسيني: «طبعًا للأمريكان دورٌ كبيرٌ في هذه الحركة، فهي إشارات للروس، أن لا حلّ في سوريا، ولا في أوكرانيا إلا من خلال أمريكا. وها هو حليف روسيا، بشار الأسد، طائر من الفرح لحضوره القمة العربية، وأن أمريكا منحته فرصة، ريثما ينفذ المطلوب منه، ليعطيه فرصة مستقبلية أكبر. بينما حضور زيلينسكي، فهي لدعم أوكرانيا معنوياً.
يضيف حسيني: « العرب وافقوا على حضور بشار الأسد للقمة العربية وعودته للجامعة على مضض، فهذا قرار أمريكي، وليس للعرب فيه رأي، لكنهم رأوا في الخطوة أمراً حسناً، كونهم يرون بأم أعينهم كيف تسرح، وتمرح كل من إيران وتركيا في سوريا، وتحتل أجزاءً منها، وهناك من يثبت أقدامه فيها، ويغيّر من ديمغرافيتها، فهي فرصة للعرب أن يعيدوا نظام بشار الأسد إلى الجامعة العربية، لعلهم يجدوا مخرجاً للأزمة السورية، وأن يقلّصوا من نفوذ إيران وتركيا في سوريا، وبنفس الوقت يناقشوا معه أمور أخرى، كمسألة (الكبتاغون)، المخدرات القادمة من سوريا إلى الأردن ودول الخليج».
يشير حسيني: «أن دور الأمريكان وحلفائها معروف، ازدواجية الخطاب، مرة يصرحون أن الانفتاح على نظام بشار الأسد مرفوض، وهذا كان واضحاً في قانون الكونغرس الأخير، وكذلك حديث مجموعة ( ك – 7) في اليابان حيال الأزمة السورية، بأن التواصل مع النظام السوري غير مقبول، لأن النظام لم يخطُ أية خطوة باتجاه الحل السياسي. ومرة أخرى يعطون المجال للدول العربية لكي تتواصل مع نظام بشار الأسد، لعله يتحرك بإنهاء الأزمة في سوريا، وان لا ينسوا في نفس الوقت ان يذكرونه بقانوني قيصر والمخدرات، لكي يقدم على الحل السياسي بشكل أسرع ويتصالح مع المعارضة. أما روسيا وحليفها الصيني، لا أعتقد أنهم أعطوا أهمية كبيرة للموضوع، بل فرحوا للانفراج الذي حدث للنظام بشار الأسد من قبل الدول العربية. لكن روسيا تخوّفت قليلاً من موضوع الانفتاح السريع والكبير الذي حصل. بعضهم اعتبروا الحدث، عملية فخ لنظام بشار الأسد.

القمة العربية وبروبغندا مصالحية
تحدث الكاتب والسياسي، دوران ملكي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «الثورات التي سميت بالربيع العربي كان نتاجاً حقيقياً لحرب الخليج الثانية وسقوط نظام الطاغية صدام حسين، وبذلك تهيأت الجماهير في الدول العربية ذات الأنظمة الدكتاتورية ومخلفات الحرب الباردة، لأنها رأت في سقوط النظام الدكتاتوري في العراق كبداية لتغيرات شاملة في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، واستندت على تصريحات وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك كولن باول، والتي تضمّنت أن نهاية الدكتاتوريات في الشرق الأوسط وعموم المنطقة في 2013، وإثر ذلك دخلت الأنظمة الدكتاتورية في حيرة من أمرها ولم يستطع الرئيس الليبي معمر القذافي أن يخبئها وأعلنها صراحة في مؤتمر القمة العربية بعد احتلال العراق، وقال إن الدور جاي علينا كلنا، ولا يستثنى أحد طالما لم نتخذ موقفاً موحداً من الحرب على العراق. بدأت الثورات ابتداء من تونس ومصر وليبيا والبحرين وثم بدأت في سوريا في 15أذار 2011، واشتدت حدّة المظاهرات والانشقاقات في صفوف الجيش وتحولت المظاهرات إلى مليونية، وزادت أيضاً شراسة النظام في التصدّي للجماهير العزل بالسلاح والمدرعات، وتشكلت الفصائل المسلحة من المنشقين عن الجيش، وبالتوازي تشكلت الفصائل الإسلامية المتطرفة بإيحاءٍ من النظام نفسه، وخرجت الثورة السورية من يد الجماهير المنتفضة وتمت عسكرتها، وتحولت سوريا إلى ساحة حرب، وقد رأيتُ التسهيلات التركية بأم عيني وكشاهد عيان . كنت في تركيا في 2013 لقضاء أيام معدودات وفي طريق العودة من معبر نصيبين انتظرنا في ساحة البلدية، وتم نقلنا بالباصات الى منطقة بجانب المعبر، وتم فتح الأسلاك الشائكة من قبل البوليس التركي وعبرنا دون أن يسألنا أحد سؤالاً واحداً أو يسجلوا أسماءنا، وهذه كانت حال جميع المعابر لأيام عديدة، فبواسطة تركيا تم نقل الإرهاب العالمي إلى سوريا، ومن دول الخليج إلى العراق حتى تم إعلان دولة الخلافة في العراق وسوريا (داعش)، وبعدها تشكل التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب وتم تقويض الإرهاب وانتزعت الجنسيات من المعتقلين. عندما اشتد نشاط التنظيم أضعف الفصائل المقاومة للنظام السوري في مناطق سوريا المفيدة
يتابع ملكي: «جميع الدول الداعمة لانتفاضة الشعب السوري لم تكن جادة في تغيير النظام الطائفي في سوريا، وخاصة الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي قام بعد تولّيه الرئاسة بسحب الجيوش الأمريكية من العراق وسلمها لقمة سائغة لإيران، وحافظ على نظام بشار الأسد لأمرٍ واحدٍ فقط وهو زيادة الصراع الطائفي في المنطقة بين السنة والشيعة، وكلما تجذّر هذا الصراع بقيت المنطقة تحت التحكم. لم تتدخل الإدارة الأمريكية بشكل مباشر سوى نزع السلاح الكيميائي للنظام، وتم تفتيش جميع المناطق التي تحت سيطرة النظام بحثاً عن السلاح النووي العراقي، والذي كانت تشك المخابرات الأمريكية بأنه تم تخبئته في سوريا. بالمقابل قامت الإدارة الأمريكية بدعم الإخوان المسلمين في مصر وتركيا والخليج لكي يأخذ الصراع أوج مراحله وكان المتضرر من سياسات أوباما هي إسرائيل والشعب السوري، فإسرائيل أصبحت بين فكي كماشة تمتد من لبنان إلى غزة، وخسر الشعب السوري ثورته، ولم تكن العقوبات على النظام السوري إلا وقتية.
يضيف ملكي: «اختارت الولايات المتحدة الامريكية والحلف الغربي نوعية الأنظمة التي يجب أن تسقط فكانت البداية في العراق ثم تونس كشرارة لإحداث تغييرات في القرن الأفريقي، وكذلك سمحت لدول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة الحركة الشيعية المنتفضة في البحرين، وحولت سوريا إلى ساحة لتقويض الإرهاب العالمي، فهي لم تأتِ لإنقاذ الشعوب بل لزيادة التوتر في المنطقة، وإن أحد أركان هذه الحرب هو النظام الطائفي في سوريا، لذا توجب البقاء عليه مع وجود ضوابط أمريكية وأوربية وذلك عن طريق حزمة من العقوبات، وحتى لا يتحول النظام جراء الضغوطات المتتالية إلى نظام مخدراتي مثل الكثير من دول أمريكا اللاتينية، ويتضرر من فساده في صناعة حبوب الكبتاكون وزراعة الحشيش في جميع أنحاء العالم ودول المنطقة وخاصة الأردن ودول الخليج، توجب تخفيف الضغوط عنه وفتح متنفس له وهو سحبه للحاضنة العربية.
يشير ملكي: «إلى ان الدول العربية لا تستطيع أن تتخذ القرارات المصيرية في قممها، فالذي أبعد سوريا عن الجامعة العربية في 2012 هي الإدارة الأمريكية، والذي رجعوه اليوم هم اللاعبون ذاتهم، وخاصةً بعد أن تشكلت أقطاب جديدة تنذر بحربٍ عالمية ثالثة، كان لا بد من اصطفافات جديدة، فدخول إيران كطرف في الحرب الروسية على أوكرانيا عن طريق مد الروس بالمسيرات، فلا ضير من جذب سوريا إلى الحاضنة الغربية وعزلها عن إيران بالترغيب والترهيب، وهذا ظهر جلياً من خلال تصريحات ولي العهد السعودي بأننا سنقنع حلفائنا في واشنطن بضرورة رجوع سوريا إلى الحاضنة العربية، ومساعدة الشعب السوري للخروج من أزمته. في المرحلة الأخيرة لوحّت المملكة السعودية والإمارات وهما الدولتان الأكثر فعالية بين دول مجلس التعاون الخليجي بضرورة التنوع والوقوف على الحياد من الصراعات العالمية، فهما يثيران حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية بالتقرب من المحور الصيني الروسي، ولكن للحقيقة إن الخليج بأجمعه له عين على أمريكا وعين على كل العالم، وهذا التقارب ليس إلا بروباكندا قصيرة الأجل يمارسها ولي العهد السعودي لكي يحصل على امتيازات من الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في المجال النووي لحماية أمن الخليج من التهديدات الإيرانية».
يسترسل ملكي: «ان دول الخليج لا تثق بإيران حتى لو رجعت العلاقات إلى سابق عهدها، لذلك لا تستطيع إغضاب أمريكا كحليف استراتيجي وسوف ينفذون ما يطلب منهم، فحضور الرئيس الأوكراني فلادميير زيلنسكي في جدة له دلالات كثيرة، وهي إن الدول العربية تقف على الحياد الإيجابي لصالح أوكرانيا، وهو ما صرح به رئيس القمة.

ذيل الأنظمة وقالب الشعوب
تحدث الكاتب والشاعر، محمد شيخو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بداية، لا بد من التريث أمام رمادية المشهد منذ بدء الأزمة السورية، فكل الأنظمة العربية انطلقت من مصالحها الخاصة ومصالح من يثبت أركان عروشها، لهذا لم تلتفت إلى معاناة الشعب السوري بقدر ما استثمرت في جراحاته، ناهيك عن علاقاتها الخفية مع النظام وعدم فتح حدودها لهجرة أو استقبال السوريين الفارين من أهوال الحرب وهدير الطائرات والمدافع.
التغيرات الدولية التي حدثت عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية جعلت هذه الأنظمة تتجاسر بإعلان مواقفها علانية، أنه كل تحرك جماهيري أو هبة شعبية أو احتجاج ضد ظروف القمع والدولة البوليسية وتسيّد الفساد والتنكيل بمناصري الحريات والرأي المخالف ودكهم في غياهب السجون والمعتقلات..... سيقابل بالتجاهل والتعتيم والتزييف لأنه سيكشف طبيعة هذه الأنظمة والتي ديدنها العنف والقتل والدمار».
يتابع شيخو: «ان حضور الرئيس السوري يمثل عمليًا الاجتماع الرباعي، سوريا وتركيا وإيران وروسيا وتهافت بعض الدول العربية لطمس مجريات الحدث السوري، عملاً بالمثل المعروف (المقروض يخاف من جر الحبل)، حيث تشابه أوضاع بلدانهم للوضع السوري، ومنها من خسرت قادة في سبيل ذلك، وأعني بذلك مصر (العروبة) ومقتل موفدها الأمني العالي المستوى عمر سليمان في انفجار دمشق. وبدا موقف تونس أكثر مباشرية حين قال رئيسها في خطابه أن سوريا ستتخلص من الإرهابيين والإخوان المسلمين والمخربين. بالمقابل من هذا الموقف هناك دول تعبر ولو بضبابية عن الموقف الأمريكي والأوربي، وهو موقف قطر (انسحاب أميرها وعدم الاستماع لخطاب الرئيس السوري) والكويت (دعوتها لتطبيق القرارات الدولية بشأن الأزمة السورية). أما الموقف السعودي والذي سعى إلى فهم الرسالة الأمريكية فوجهت دعوة لرئيس أوكرانيا محاولاً إرضاء كل الأطراف واللعب على الحبال المتشابكة، من جهة هي محمية أمريكية وولي عهدها يسير بهدي إسرائيل ومن جهة أخرى تتوافق مع روسيا بعدم رفع إنتاجها النفطي في أوبك.
يضيف شيخو: «ما يهمُّنا هو الانفراج بالنسبة للوضع السوري، سيحاول المحور الروسي الإيحاء عبر تسريبات أن الحل بيدها هي ومن معها عبر لجم تركيا لتحركات وغضب المجموعات المسلحة التابعة لها سواء أكانت جبهة النصرة أو ما يسمى بالجيش الوطني والميليشيات المنضوية تحت لوائه، إضافة إلى إجبار الكثير من السوريين والتضييق عليهم للعودة إلى الداخل السوري وطلب تسوية أوضاعهم والعفو عنهم. بالمقابل ستقوم روسيا وسوريا باحتضان قوات قسد عبر ضم قسم منها إلى الجيش السوري أو الشرطة وتوسيع الإدارة المحلية لضم موظفين من الإدارة الذاتية وحثها على تسليم أسلحتها، وربما تدريس اللغة الكُردية على نطاق ضيق وجعلها لغة ثانية. هذا المحور يتعامى ويتجاهل الوجود الأمريكي والأوربي الفعال في سوريا.
لذلك ان الوضع يسير إلى مزيد من التعقيد والتشابك، والحجة في ذلك أنه قلّما شهدنا نهاية لأي صراع لطالما تستفيد منه الدول العظمى، ناهيك عن الدول الإقليمية وخاصة تركيا وإيران».