رضوض وكدمات

رضوض وكدمات

هوشنك أوسي
1
غليون جدّي، فرعٌ غضٌّ، قُدَّ من شجرةِ مشمش،
ما زال يفوحُ بعطرِ التبغِ المهرَّب، عبر الحدود، من سهل "ماردين".
سقطَ من جيبهِ أربعَ مرّات:
ـ حين ارتدى ملابسهُ، قُبيلَ مغادرتهِ ماخور "دياربكر" .
ـ أثناء هروبهِ من سجن "آمد" ، محكومًا بالإعدام.
ـ عندما عبر الحدود، خاطفًا جدّتي، ملتجئًا إلى الضفّة الأخرى.
ـ وهو يهرّب التبغَ، سقطَ على لغمٍ، وأعينُ الحدودِ تقدحُ شررًا.
كُلّما لاح في كأسي ظلُّ حزنٍ عتيق، وتذكَّرتُ جدّي،
يئنُّ الغليونُ كناي كردي.
يبكي كنبعٍ، كلَّما هاج بهِ الحنينُ إلى أُمّهِ،
ذلك الذي كان يومًا؛ فرعًا من شجرةِ مشمش جبليَّة.
هذا ما تبقّى لي من وطني المتنقّل بين القصائد المهجورة.
2
كعادتها، خفيةً، تتسرّب إلى صفحتي في "الفيسبوك".
تقرأُ قصائدي، والرعشة تتملَّكُ قلبها الصغير.
تقول في نفسها: يا ليتكَ لم تكتبْ، ما كتبتهُ.
قصائدكَ مؤذية، كعشقٍ متوارٍ بين أدغالِ الذاكرة.
كالبرقِ تقصمُ ظهرَ قصائدي، وتعصمني من البوح، قصائدُكَ.
تتحسسُ صورتي، كأنّها تلامس وجهي.
تنزلقُ سبّابتها اليمنى نحو شارةِ القلب،
فيطيرُ فرحًا وفزعًا، ويحطُّ على نصّي، كنهرٍ مِن النِّصال والقبلات.
تحاولُ إزالتهُ، فيعاندُ القلبُ ويرفض.
تلك الشاعرةُ، لا ترسلُ طلب صداقة.
ولا تتوقّفُ عن إصابة قلبها بالدكمات.
هذه حالها كلَّ فجر،
حالُ النبيذِ الذي يشتهي أن يُراقَ على جذع دالية عنب.
3
أنا من عائلةٍ مقاتلة.
أخمصُ بندقيّة جدّي من خشب الورد، واسم جدّتي "كولستان" ـ أرضُ الورد.
حَملَ بندقيّتهُ واستندَ عليها، كحملهِ جدّتي واستنادهِ عليها.
قاتلَ بها الفرنسيين، وقبائلَ البدو التي هاجمت الكرد.
غادرهُ أبي باكرًا.
قتلهُ كأسُهُ وعشيقاتُه،
وحُبُّهُ لأغاني "سميرة توفيق"، "آرام"، "عيشاشان" و"دورا بندلي".
التحفَ ترابَ كردستان، ونامَ في أغنيةٍ، ما زلتُ أبحثُ عنها.
لحقَ به جدّي. أردتهُ رصاصةٌ قاتلةٌ أطلقها عليهِ الحنين.
التحف ترابَ دمشق، ونامَ كوردةٍ تطلُّ على العالم من فوّهة بندقيّة.
غادرَنا، تاركًا جدّتي تقاتلُ الفقرَ، كقطّةٍ تدافعُ عن صغارها أمام قطيعِ ذئاب.
لحقت بهما جدّتي، وتركتني أواصلُ قتالَ الفقرِ والجهل.
لا أودُّ لابني أن يكون من هذه العائلة المقاتلة.
سيبكرُ يومًا، ويقرأ هذا النصّ.
ربّما لن يفتخرَ بي. لكن، لن أكون له مبعث خزي.
سيلتفتُ إلى الرضوض والكدمات التي تملأ جسدهُ.
أراهُ يهزُّ رأسه قائلاً:
هذا ما أورثتني إيّاه...
كدماتٌ في القلب، تسببتْ فيها النساء.
كدماتٌ في العقل، تسببتْ فيها الأسئلة.
كدماتٌ في الظلّ، تسببتْ فيها الأوطانُ العابرةُ والغربةُ الآبدة.
يا لك من أبٍ ثريّ، عنيدٍ وطائش،
كرصاصةٍ من حِبرِ، أطلقتها بندقيّةً، أخمصها من خشب الورد.
قالها ابني، متأمِّلاً صورتي الموجودة في زاوية غلاف أحد دواويني.