ازدهار الحضارة الكردية في فضاء الحضارة الإسلامية

ازدهار الحضارة الكردية في فضاء الحضارة الإسلامية

المحامي: محمود عمر

مقولة: (إن نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) فيها نصيب وافر من الحقائق التي لا يمكن إنكارها، ومردُّ ذلك بالدرجة الأولى يعود إلى بعض الطبائع التي خصّ بها الله تعالى الشعب الكردي كالطيبة والإخلاص والتسامح.
فمعلوم إن الله قد خص كلّ شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن الأخرى كما هو الحال لدى الأفراد حيث يتميز كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وربما أن هذه الخصال التي تطبّع بها الكرد قد دفعت الآخرين إلى استغلالهم لمآربهم، وحين جاء الإسلام، ودخله معظم الكرد طواعية لما لمسوا فيه من مبادئ تحضُّ على المحبة والمساواة وتنبذ الظلم والتباغض، كان لإخلاصهم لهذا الدين ـ كما هو ديدنهم كل مرة في جل ما آمنوا به من قبل ومن بعد ـ مدعاة لاستغلالهم من قبل غيرهم من المسلمين ـ أصحاب السلطة والنفوذـ المتجاورين لهم من الشعوب الأخرى وجعلهم جنوداً ووقوداً لغزواتهم ومصالحهم، وتضجّ كتب التاريخ بالأمثلة الكثيرة على هذا الاستغلال القديم المتجدّد في الإسلام وغيره، وليس ببعيد عن المفردات والظروف السياسية التي أفرزتها المائة العام الأخيرة في المنطقة على خلفية تنامي الشعور القومي لدى شعوب المنطقة واستحداث دول لهم على هذا الأساس وخروج الكرد خاويي اليدين من المعادلةـ رغم التضحيات الجسام ككل مرة، وكيف أصبحت هذه المئوية الأخيرة بحق مئوية سوداء بحق الكرد لما لاقوه من مظالم وتهجير وإبادة على يد دعاة الإسلام ـ من الأنظمة ـ هذه المظلومية التي دعت الكثيرين من الكرد من العامة والخاصة إلى تحميل الإسلام، وليس المسلمين وزر ما لاقوه من ويلات ومآسي، وهو ما دعا أحد كبار الكُتّاب المصريين وهو الدكتور فهمي الهويدي للقول بأن:(الكرد يتامى المسلمين) في دراسته المعنونة تحت هذا العنوان، للتعبير عن ما تعرّض له الشعب الكردي من مظالم ومجازر وإنكار للحقوق، ومن المعروف أنه، ومن العنوان تُقرَأ الرسالة.
إذا كان ذلك جزءاً من الحقيقة التي لا يمكن التغاضي عنها عند الخوض في تاريخ الكرد وعلاقتهم بالإسلام، فمن الإنصاف ومن ناحية أخرى ـ خاصة وان أخذنا الأمور بمبدأ النسبية، وليس بمبدأ الحقائق المطلقةـ تسليط الضوء على الجوانب التي ازدهرت، وترسّخت فيها معالم الحضارة الكردية، وتوضّحت معالمها في كنف الحضارة الإسلامية، وفي شتى الميادين إن أخذنا بمعيار الشكل، وليس المضمون كون هؤلاء الولاة والقادة والخلفاء مسلمون حكموا باسم الإسلام ومن ذلك:
ففي مجال الدول والحكومات والإمارات يخبرنا العلامة محمد أمين ذكي في مؤلفه «تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي» عن تاريخ وأحوال وقادة ودور أربعة عشر دولة كردية والأدوار التي لعبتها في العهد الإسلامي وهي:
1ـ الدولة الروادية (230ـ 618هـ).
2ـ الدولة السالاريه بأذربيجان(300ـ420هـ).
3ـ الدولة الحسنويه البرزكانيه بهمذان(330ـ405هـ).
4ـ الدولة الشدادية بأران(340ـ465هـ).
5ـ الدولة الدوستكية بدياربكر(350ـ476هـ).
6ـ الدولة العنازية بحلوان(380ـ446هـ).
7ـ الدولة الشبانكارية بفارس(412ـ 658هـ).
8ـ الدولة اللريه الكبرى(550ـ827).
9ـ الدولة اللريه الصغرى بلورستان(570ـ 1250هـ).
10ـ الدول الأيوبية بمصر والشام(567ـ685ـ950هـ).
11ـ الدولة الأردلانيه بايران(617ـ1284هـ).
12ـ الدولة الملكيه الكردية بخراسان(643ـ785هـ).
13ـ الدولة الزندية بايران(1167ـ1202هـ).
14ـالدولة البراخوئيه ببلوجستان(1172ـ1300هـ).
كما يورد المرحوم العلامة محمد أمين ذكي أسماء وتاريخ وأحوال سبع وثلاثين إمارة كردية في العهد الإسلامي وهي:
1ـ امارات ما بين الجزيرة وديرسم وهي:(امارة الجزيرةـ امارة خيزان ـ امارة شيروان ـ امارة بتليس ـامارة صاصون ـ امارة السويدية ـ امارة البازوكيين ـ امارة مرديسي ـ امارة جمشكزك ـامارة حصن كيف ـ امارة سليفاني ـ امارةزريكى ـ امارة كلس واعزاز).
2ـ امارات ما بين الجزيرة وخوى وهي )امارة الهكارية ـامارة الحمودى ـ امارة بنبانبش ـ امارة الدنبلي ـ امارة برادوست ـ امارة مكرى ـ امارة استونى).
3ـ المجموعه الحكارية الجنوبية وهي: (امارة بهدينان ـ امارة داستى ـامارة السوران ـ امارة البابان ـ امارة بانه ـامارة كلباخى ـ امارة كلهر).
4ـ امارات ايران الشرقية وهي(امارة سياه منصور ـ امارة جكتى ـامارة زنكنه).
5ـ امارات خراسان وهي)امارة فوجان ـ امارة بجنورد).
6ـ امارات جبل لبنان وهي:(امارة مشايخ العماديين الدروزـ امارةبني سيفا ـ امارة رأس نحاشى الاكراد).
ومن التتبع لتاريخ هذه الدول والإمارات والدور الذي لعبته في أحداث المنطقة والفترات الزمنية الطويلة لعمر هذه الدول والإمارات وحكم بعضها لعقود طويلة خارج جغرافية كوردستان وضمن الجغرافية الإسلامية يتضح لنا إن الكرد قد لعبوا دوراً مميزاً في تاريخ وحضارة وسياسة الحضارة الإسلامية كما أن العديد من الأمراء والولاة الكرد قد ثاروا على الحكام، وفي فترات مختلفة، كما يتّضح لنا ان تقيد المؤلف بالتاريخ الهجري لهذه الدول وإحداثها ناجم عن كون معظم مراجعه الرئيسية هي لمؤرخين إسلاميين وبخاصة دائرة المعارف الإسلامية، وشرفنامه لشرف خان البدليسي.
في مجال الآداب والعلوم: ازدهرت حركة الثقافة ومختلف العلوم لدى مختلف الشعوب التي كانت تعيش في كنف الحضارة الإسلامية ومنها بالطبع الشعب الكردي، ففضلاً عن العديد من المؤلفات التي تشكّل أمهات الكتب لمؤرخين من غير الكرد التي تصدت للتاريخ الكردي وأصل الكرد وعاداتهم ولغتهم وطبائعهم وحضارتهم كابن خلدون والأصفهاني والقلقشندي والقزويني وابن مسكويه، هذه المؤلفات التي ما زالت تعتبر المرجع الأساس في أية دراسة عن الكرد ففضلا عن هؤلاء ظهر مؤرخون وكتاب وشعراء عمالقة من بين الكرد أنفسهم منهم من ترك آثاراً خالدة في لغات غيرالكردية ومنهم وعلى ما يذكر العلامة محمد أمين ذكي: ابن المستوفي الأربيلي ـ تاج الملوك سعيد بوري ـ ابن خلكان ـ ابو بكر الأيوبي ـ ابو الفداء الأيوبي ـ العمادي ـ ادريس البدليسي ـ ماه شرف خان الأردلانية ـ عائشة التيمورية .
هذا فضلا عن الكثير ممن ألف بلغته الكردية ومنهم:
1ـ بابا طاهر الهمذاني:هذا الشاعر الذي وصف المؤرخون أن له فلسفة في أشعاره تمتاز برقة الإحساس ونبل العاطفة وبساطة الأسلوب وذلك في ديوانه الذي يحتوي على 296 رباعياً وأربع غزلا وزيلا تحوي62 رباعياً أخرى.
2ـ علي الترموكي:ويعدُّ أول من وضع قواعد الصرف والنحو للغة الكردية وهو احد الذين خلد أسماؤهم في تاريخ الأدب الكردي.
3ـ علي الحريري:إشعاره في غاية الرقة والسلاسة له ديوان مشهور باللغة الكردية.
4ـ ملاي جزيري:ديوانه بلغة أهل جزيرة بوطان وإشعاره الغزلية وقصائد الحب العذري ما زالت تعنى على ألسنة الكرد والى يومنا هذا.
5ـفقيه طيران:إضافة إلى إشعاره له مؤلف حكاية الشيخ صنعان المعروف وحكاية الحصان الأسود.
6ـ ملاي باطي:اضافة إلى ديوانه الشعري فانه كتب قصة المولد النبوي باللهجة الكرمانجية .
7ـ احمد خاني :صاحب ملحمة مم وزين التي تعتبر أعظم تحفة خالدة للأدب الكردي فضلا عن قاموسه نوبهار وإشعاره باللغات العربية والفارسية والتركية.
8:شرف خان:أشعاره باللغتين الكردية والفارسية اغلبها من نوع الغزل.
9ـ مراد خان البايزدي:إشعاره في الغزل والرثاء.
10ـ نالي(ملا خضر):أكثر أشعاره في الغزل والحنين والعشق وقد طبع ديوانه في بغداد عام1931.
11ـحاجي قادر:زعيم الشعراء كما يسميه المؤلف لأنه شاعر وطني وحماسي جدا متلق فيها بوطنه وحبه العارم للغته الأم.
إضافة إلى أسماء اخرى كثيرة كالشاعر المولوي والشيخ رضا والزهاوي وجميل صدقي الزهاوي وايمن فيض بك ومحمد بك وغيرهم ممن كتب بلغته الأم.
وهذا يدل على أن المؤلفين والمؤرّخين والشعراء والفلاسفة الكرد كغيرهم قد استفادوا إلى أبعد الحدود من لغة القرآن ليصبوا في قالبها نتاجهم وإبداعاتهم وما زالت آثار ومؤلفات هؤلاء العمالقة والى يومنا هذا معيناً لا ينضب ومراجع للدارسين والباحثين في الشأن الكردي أصلا ولغة وتاريخ وجغرافية .وهم أول من وضعوا اللبنات الأولى في طريق نمو الشعور القومي الكردي حيث أن العديد منهم قد وضعوا يدهم على الجرح حين وجدوا إن جلّ مأساة قومهم وتأخرهم عن بقية الشعوب تعود إلى تفرقتهم وتشرذمهم وابتعادهم عن العلم لذلك كانت صرختهم مدوية تستنهض الهمم، وتلقي الضوء على الصفحات المضيئة من تاريخنا وتدعونا إلى التوحد والتسلح بالعلم والمحبة حتى نرتقي إلى مصافي الشعوب المتقدمة حتى أن الأمراء البدرخانيين حين انقلب عليهم السلطان، وانتشروا في بقاع الأرض وتيقنوا بأن لم يبق أمهامهم سوى العلم والثقافة ليمنحوها لشعبهم واستنهاض هممهم والقضاء على أسباب تخلفهم أصدروا جريدة (كوردستان) في استنبول ثم في القاهرة، وكانوا حريصين على توزيعها في مختلف أرجاء كوردستان.
وفي قلب دمشق ألّف المير جلادت بدرخان الأبجدية الكردية بالأحرف اللاتينية وفيها أصدر مجلته (هوار) ومن الجدير القول إن المرحوم جكرخوين قد أتى على شرح معظم هذه الدول والإمارات والعلماء والأدباء والمؤرخين في كتابه ( تاريخ كوردستان).
في مجال البناء والعمران:
إن القلاع والحصون والمساجد والمدارس والبيمارستانات التي بناها الكرد في جغرافية كوردستان، والبلاد التي حكموها كالشام ومصر واليمن والسودان وبخاصة في الفترات الأيوبية ما زالت شاهدة على ألق وتطوُّر الحضارة الكردية فما زالت المدرسة الحمراء في الجزيرة وقلعة صلاح الدين وقلعة دمدم للأمير ذات اليد الذهبية وتكيات الأيوبيين ومشافيهم ونواعيرهم ومراصدهم في دمشق وحماة ومصر، ونسر الأيوبين الذي ما زال يزين قلعة القاهرة دليل على هذه الحضارة الكردية، ويعود الفضل لصلاح الدين في وضع الأسطول المصري وأنشأ لهذه الغاية ديواناً سماه ديوان الأسطول وهو الذي أمر ببناء أسوار وأبراج الإسكندرية وأنشأ فيها دارا للغرباء ومشافي(بيمارستان) والعديد من المشاريع الخيرية للفقراء والمحتاجين، وفي هذا الصدد يذكرنا المرحوم نور الدين ظاظا في مؤلفه (صرخة الشعب الكردي) إن في مدينته (مادن) قصورا ما زالت تضاهي قصور أوربا في بنائها وأناقتها ومتانة بنيانها حيث تعاضدت الزنود الكردية مع زنود اليونانيين والأرمن والسريان في بنائها، كما ان (اوليا جلبي) يذكر في مؤلفه (سياحة نامه) بأن السلطان طلب منهم في أحد أسفاره أخذ قسطاً من الراحة لدى أمير جزيرة (بوطان) وإن السلطان وجميع من معه قد اندهشوا بما وجدوه لدى الأمير من قصور ومضافات ومطابخ وحمامات تضاهي تلك الموجدة في أرجاء السلطنة، وإن الكثير من القادة قد سرقوا الكثير من المعالق والشوك الذهبية والفضية التي وضعها الأمير في وليمة السلطان وان ذلك كان أحد الأسباب في نقمة وحقد السلطان على الأمير والانقلاب عليه فيما بعد.

في مجال الجيوش والقادة:
كما ظهر بين الكرد علماء وفلاسفة وشعراء، فقد ظهر بينهم قادة ما زالت كتب التاريخ تضجُّ بذكراهم والدور الذي لعبوا في أحداث زمانهم، فهل يستطيع أحد ان يتصفح تاريخ الخلافة العباسية دون أن يمر على الدور الرئيس لأبي مسلم الخراساني في توطيد أركانها؟ والذي يدرس تاريخ الدولة الأيوبية يتلمّس الدور العبقري لصلاح الدين وعمه شيركوه ووالده نجم الدين أيوب والقاضي الفاضل في توحيد الإمارات والولايات وإعداد جيش قوي عرمرم عماده، وعلى ما يذكر المرحوم العلامة محمد أمين ذكي، والمرحوم جكرخوين في مؤلفيهما من العشائر الكردية، وبهذه الجيش استطاع الأيوبيون توحيد البلاد وتحريرها من الرومان بلداً تلو آخر إلى أن حرروا القدس بموقعة حطين، وكان لكلّ إمارة وحكومة كردية جيش يدافع عنها.
في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية:
حين تستقر الأمور، وتزدهر الحضارة في أي مكان فإنها تلقي بظلالها على جميع مناحي الحياة لذلك كانت كوردستان في عهد الخلافات الإسلامية بلاداً مزدهرة وحتى تسمية ارض الكرد (بكوردستان) قد جاء في فترة حكم السلاجقة، ونظرا لأن كوردستان تتنوع فيها الأعراق والأديان كما يتنوع فيها المناخ والتضاريس والطبيعة فإنها عاشت نموذجا رائعا للتعايش السلمي بين هذه المكوّنات لذلك نرى الأدب الشفاهي سواء أكان في الأغاني أو الأمثال أو الملاحم زاخرة بذكر الكثير من نماذج هذا العيش المشترك سواء أكان في العادات أو التقاليد أو نمط الحياة اليومية المتشابهة بين المختلفين في الدين والعرق ويورد المرحوم نور الدين ظاظا في مؤلفه (صرخة الشعب الكردي) ان في مدينته (مادن) والتي تعني بالعربية (المعدن) الواقعة على جبال طوروس، على منابع دجلة حيث يشطرها وادي عميق إلى قسمين ، ان أشجار الكروم تثمر في مادن اثنا وثلاثون نوعا، كل نوع يتمايز عن سواه باللون والحجم والطعم والشكل، وفي حدائقها تشدو جميع أنواع الطيور والبلابل، وتلعب بين أفنانها وعلى سفوح جبالها الأيائل، والغزلان، ترصدها النمور. والأسود، والنسور، الكل ينتظر أن يفوز بفرصة صيد حنيذ. وإنه كان فيها هناك حي للأرمن وحي لليهود وحي لليونان فضلاً على ان أكثرية المدينة من الكرد، وإن هذه العقول والزنود كانت تتعاضد لإنتاج حياة جميلة وسهلة، وإن تجارة النحاس كانت رائجة في (مادن) منذ عدة عقود وكذلك يحدثنا عن أعمال الناس اليومية، ولعل أكثر مما أثار إعجابه في تلك الأعمال المتنوعة التي يقوم بها الأهالي هي طريقتهم في نقل خشب الحور التي يبيعونها لسكان الجنوب في بغداد والموصل، فما أن يبدأ دجلة في فيضانه حتى يرمي الرجال بالحور بعد قطعها من الغابات في النهر، الذي يتكفل بمهمة إيصالها للتجار في تلك المدن دون رسوم أو أجرة طريق، اللهم إلا أجرة أولئك الأشخاص الذي يراقبون سير الخشب في النهر، وما أن يتعلق بشيء حتى يبدؤوا بتحريكه بتلك العيدان الطويلة التي يحملونها ليعود إلى السير من جديد مع ماء النهر إلى مدن جنوب العراق
وكمثال عن رفاهية المدينة وأهلها يذكرنا الدكتور نورالدين ظاظا بأن غنى وثراء عموم أهل (مادن) وبخاصة عائلته، ومنذ مئات السنين، لم يكن يقل عن غنى سحر وجمال طبيعتها، ويعود الفضل في هذا الغنى إلى أجداده الأوائل الذين حضروا الى البلدة منذ أكثر من قرن، وكان همهم الأول كيفية استخراج النحاس ولأجل ذلك استقدم جده الأول (إبراهيم أفندي) ابن رئيس عشيرة (شاديان)الذي كان بمثابة المحافظ الإداري للبلدة خمسمائة عائلة يونانية عام 1780 م معظمهم مختصون في استخراج النحاس واستثماره ومهندسون وبناؤون وحذاؤون، وخياطون، هؤلاء وما إن وصلوا إلى البلدة حتى تكاتفوا مع أهلها في ترميم و بناء دور فارهة مؤلفة من طابقين او ثلاثة من الطراز المادي القديم الذي يبنى من الحجارة والبلاط المرمري وان تلك القصور كانت تضاهي قصور أوربا بجمالها وبنيانها.وانه في عام 1797 استخرج النحاس الشديد النقاء، وتم صهره وبيع آلاف الأطنان منه في مشاريع خاصة فاتسعت المدينة، وأصبح أهلها يتمتعون بحياة اقتصادية، وثقافة عالية، وأضحت دورها وخاصة دور أبائه وأجداده تشبه القصور الملكية، وإن جده ابراهيم (والد أبيه) لم يكن يرتدي إلا القمصان والأزرار وربطات العنق التي يأتي بها من فرنسا، وبرع في فن الأسلحة والفروسية، وجعل من مادن مدينة مزدهرة في جميع المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وكان الكل في مادن من كرد ويونان وأرمن وترك يعيشون في وفاق وأمان ووئام. وكدليل على رفاهية الحياة يستطرد الدكتور نورالدين بأن جده قد أحضر معلما لأجل والدي الذي ظل طيلة حياته مولعا بالأدب الكلاسيكي الإتباعي الكردي والفارسي بالرغم من إن البرجوازية الأرمنية في (مادن) كانت متأثرة جدا بكل ما يأتي من أوربا واسطنبول وظل متمسكا كذلك بالفضائل التي ترعرع عليها ،صامتا يكرم الضيف ويحن على الصغار، وبقدر استطاعته يساعد الفقراء والمحتاجين يتابع سيرة آبائه وأجداده في بقاء بلدته جنة حب ورفاه ووئام ،وان سباقات الخيل والاحتفالات التي تتم بعيد نورزو كل عام أشبه بمونديال عالمي.
وبلغ الرقي الحضاري أوجه في معظم الإمارات الكردي،ة فالعلامة محمد امين ذكي يذكر(أن الحكم الأيوبي لم يكن قاصراً على ميدان السياسة والحكم فقط بل إن التاريخ سجل لهم جولات محمودة وآثاراً ناطقة في ميادين العلم والاقتصاد فقد عنوا بالزراعة، وحسنوا سبلها ووسائل تقدُّمها ورقيّها من حفر التّرَع وإقامة الجسور وتنظيم وسائل الري، كما كان لهم دورٌ كبيرٌ في تنشيط التجارة، وليس أدل على ذلك تلك المعاهدات التجارية الكثيرة التي عقدوها مع الدول الأوربية، ويذكر الرحالة ابن جبير الذي كان معاصراً للسلطان صلاح الدين أنه كان في الشام عشرين مدرسة علمية، وكذلك في امارة بوطان كانت الصناعات فيها رائجة وكانت المدينة التجارية الوحيدة بين حلب والموصل التي يرتادها التُّجَّار والصناع من كل البقاع، وقد أرسل أمراؤها العديد من أبنائها الى الدول الغربية للدراسة في مختلف العلوم والمجالات، وكان فيها معامل لصنع البارود والبنادق إضافة إلى ان الأمير حاول عدة مرات صك النقود وقد حاول العلامة بديع الزمان(سعيد نورسي) صاحب رسائل النور الحصول عدة مرات على الموافقة لأجل بناء جامعة الزهراء كجامعة شبيهة بالأزهر في كوردستان الا ان طلبه لم يلق آذانا صاغية.
إذا كان التقييم لمرحلة ما يستوجب النظر بعينين اليها، وليس بعين واحدة والوقوف على الإيجابي والسلبي معا فيمكننا القول إن جل مظالم الكرد ومآسيهم كانت من لدن حكام مسلمين أو من يدعون الإسلام وباسمه، وان الجبروت وصل ببعضهم إلى ارتكاب المجازر، وانفلت الكرد باسم آيات قرآنية فانه يصح وعلى الضفة الأخرى القول إن الحضارة الكردية وفي شتى المجالات والميادين قد ازدهرت وترسّخت، واتضحت معالمها في فضاء الحضارة الإسلامية، وإن للكرد فيها صفحات وعناوين مشرقة.
نحن مازلنا مدينون والى هذا اليوم لاؤلئك الذي خطوا السطور بلغتهم أو بلغة الغير عن تاريخنا وأصلنا وجغرافيتنا وعادتنا وطبائعنا وما زلنا نتفيأ تحت ظلال أشعارهم وقصصهم وملاحمهم، واشتدّ عودنا القومي بفضل تلك الآثار العظيمة التي تركوها لنا.