القَداسة والسياسة

القَداسة والسياسة

محمد رجب رشيد

منذ القِدم والإنسان بِطبعه يتّخذ لنفسه رموزاً مقدّسةً للتعويض عن ضَعفه، يخضع لها -طوعاً أو قسراً- إلى درجة العبادة أحياناً، يعتزُّ بها ويدافع عن رمزيتها إذا لُزِمَ الأمر. قد تكون ظواهر فلكية، أماكن عبادة، رُسل أو أنبياء، ملوك، أَعلام رحلوا إلى دار الآخرة، مناسبات -دينية، وطنية، قومية-، حيوانات، طيور، ... إلخ. تختلف تلك الرموز باختلاف الأمم، ما هو مقدّس لدى أمّة ما قد لا تكون له أي أهمية أو معنى لدى الأمم الأخرى، بالطبع هذا لا يتعارض مع احترام حرية الآخرين في اختيار مقدساتهم.
من الأهمية بمكان هنا التمييز بين مفاهيم العِبادة، القَداسة، التمجيد وعدم الخلط بينها، فالأولى لله تعالى فقط لا غير، والثانية أهميتها في ندْرَتِها، وفي كونِها محدّد من الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك بعض الأمم تقدِّس ما لا يجب تقديسه. أمّا الثالثة فمجالها كبير وتتسع الكثير مِمّا لا يخضع للضوابط الصارمة.
إنّ قدسيّة الأماكن تأتي من رمزيتها بغضّ النظر عن موقعها الجغرافي وهوية سكانها. أمّا العلماء والمبدعون والأَعلام في تاريخ الأمم والشعوب فلا شكّ أنّهم في قلوب أحفادهم، ويستحقّون منهم كل التمجيد ولكن دون تقديسهم مهما كان شأنهم. فالأشخاص بشكل عام خارج دائرة القداسة بِما فيهم الرُسُل والأنبياء، إنّهم مكلّفون فقط بتبليغ الرسالة إلى الناس في هذه الدنيا.
يتضِح مِمّا سبق أنّ القداسة شأن من شؤون الله سبحانه وتعالى وصِفة من صِفاته -القدوس- التي تعني الكمال والطهارة التامة والخُلّو من الخطايا، ولا تُعرف إلّا من خلال الوجدان بعيداً عن العقل. تشمل القداسة فيما تشمل الذات الإلهية، الكُتب السماوية كما أُنزِلت لهداية الناس إلى النجاة، المسجد الحرام (الكعبة المُشرّفة)، المسجد الأقصى، وادي طُوى، والحياة الإنسانية بشكل عام، من حيث أنّ الإنسان مُكرّم ومُفضلّ على سائر المخلوقات الأخرى بعد أنْ نفخ الله فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له. ثم خيّره بين الإيمان والكُفر، وأعدّ له في الآخرة جنة عرضها السموات والأرض إلّا من أبى وكفر، وتوعّد الله بأشدِّ العذاب كل من يتعمّد إزهاق حياة الآخرين بغير حق، قال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(ص).
من الملاحظ أنّ الأمم والشعوب المُتحضِّرة هي مَن تقدِّس الحياة، وتعمل كل شيء من أجل غدٍ أفضل لأبنائها، بينما الشعوب والأمم المتخلِّفة بما فيها الأمة الإسلامية تعيش حياة الفقر والذُلِّ، أفرادها ليس أكثر من أرقام في السجلات، تزداد بالوِلادات وتنقُص بالموت.
تعتبر القداسة من أكثر المفاهيم تعقيداً في التفسير العقلاني والتأويل الوجداني، وذلك لصعوبة حصر مضمونها بأمور هي نفسها عرضة للزوال والتغيير. من هنا تأتي خطورة الربط بينها وبين السياسة لكونِهما متنافرتين ولا تتّحِدان، وما اجتمعتا يوماً إلّا وكانت الكارثة ثالثهما، مِمّا يؤكّد أنْ تسييس القداسة يُفرِغها من مضمونها وسموِّها، وتقديس السياسة يُفسدها. فلكل واحدة منهما ميدانها الخاص، ولا ينبغي لإحداهما الاستعانة بالأخرى. بالإضافة إلى كون القداسة قيمة عُليا لا يُعلى عليها فهي من الثوابت التي تتصِف بالديمومة، ولا تقبل النقاش أو إبداء الرأي حولها. بعكس السياسة التي لا تعرف الثبات، والثابت الوحيد فيها هو التغيير الدائم حيث تكون المصالح. والمصالح نفسها ذات طبيعة متغيِّرة يجري التأسيس له بمعايير النفس بعيداً عن الوجدان. مِمّا يعني أنّ السياسة باعتبارها جوهر الدولة وفناً من فنون إدارة شؤون المجتمع بمعايير الحقوق والواجبات، لا ينبغي إضفاء صفة القداسة عليها تحت أي مسمّى كانت. ولعلّ أكثر ما يُلحِق الضرر بالقضايا السياسية هو وضعها في مرتبة القداسة، الأمر الذي يحشرها في زاوية محدَّدة لا تستطيع مغادرتها، وبالتالي يتعذّر نقاشها بشكل عقلاني أو انتقادها بغرض إصلاحها وإعادتها إلى جادة الصواب عندما تنحرف عنها، وذلك بحكم الرهاب الذي يُثيره كل مقدّس. ولا يقف أمر المقدّس عند القضية وحدها فحسب، بل يمتد ليطال كل ما يتعلق بها من بعض القيادات الانتهازية التي تتّخِذ من القضية المقدّسة سبيلاً مختصراً للقداسة الشخصية. إلى الشعارات البرّاقة الفارغة والبعيدة عن الواقع من قبيل تحرير فلسطين ورمي اليهود في البحر، وحدة الأمة العربية، إزالة إسرائيل من الوجود، إمّا كوردستان الكُبرى أو لا شيء، الأمّة الديمقراطية، وغيرها. والأخطر من كل ذلك تقديس معارك لا ناقة للشعب فيها ولا جمل. وهذا بالضبط ما تلجأ إليه الأنظمة الشمولية للتغطية على فشلها بأي ثمن، ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للأحزاب والحركات السياسية التي تدور في فلكها مِمن تصف نفسها بمحور المقاومة أو مقاومة العصر، بل تزيد عليها بعمالتها للغير، وغالباً ما يكون الثمن حياة الأبرياء لأنها الأرخص في نظرها، وأكثر من ذلك تُصبح قطرة الدم في سبيل القضية أهم من أي تفكير عقلاني أو نضال سلمي من أجل القضية نفسها، حتّى وإن كانا بهدف الحدّ من إراقة الدماء في غير محلِّها. منذ عقود والدِماء البريئة تُراق في أوطاننا لأتفه الأسباب ودون مقابل، فإذا كان لا بدٌّ من إراقة الدِماء فلتكن في سبيل حرية الشعب وعِزة الوطن، وليس من أجل بقاء الطغاة وخدمة مشاريع الآخرين. فالقداسة هنا لا تفيد القضية بشيء، قد ترفع من شأنها، ولكنها بنفس الوقت تحوِّلها بشكل تدريجي إلى شعار فارغ من أي قيمة إنسانية. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤالين جوهرين: ما أهمية القضايا السياسية إذا لم تكن لأهداف إنسانية؟ وماذا يعني الوطن دون عِزة المواطن؟
هل من أجوبة لديكم؟!