غربي كوردستان ...الى أين؟

غربي كوردستان ...الى أين؟

عبدالوهاب خليل

جميعنا في عمله وفي الدائرة المحيطة به، وبشكل متكرر ويومي يتساءل: ماهو موقع الكرد ودورهم في سوريا المستقبل؟ وماهو الخط الواجب إتباعه لنحافظ على ماتم بناؤه واكتسابه بفضل التضحيات التي تم تقديمها كقرابين في مذابح الحرية والسلام لتصل بنا السفينة الى بر الأمان؟
طبعا وبالشكل الواضح وغير المبهم على أحد، برز اتجاهان ضمن الحراك الكردي منذ انطلاقة الثورة السورية والحراك الشعبي قبل ان يتم تحريفها لتتجه هذه الثورة الى أمكنة تم تحديدها لها، أحدهما انتهج خط الانضمام مع قطب الثورة والآخر اتبع خطاً ثالثاً خاصا به من خلال استغلاله للظروف التي عصفت بالمنطقة ليبني لنفسه قلاعاً قادرة وكفيلة بحمايته، في الوقت الذي كان فيه النظام السوري ينعم براحة البال وذلك من خلال قناعته التامة بأن الشكل الذي تم رسمه للمعارضة سيبقى قاصراً وغير قادر على تمثيل الشارع السوري بكافة شرائحه.
من جهة اخرى أعتقد بأنه قادر على تحطيم تلك القلاع التي انشدها أصحاب الخط الثالث في الوقت المطلوب وحين الطلب، بقيت هذه المعادلة سارية المفعول لفترة معينة ولحين الهجوم البربري على كوباني من قِبل أصحاب الرايات السوداء، هنا وجدت نفسها القوى الدولية في الموقف الحرج أمام شعوبها من خلال شعاراتها الواهية والكاذبة لتسلك درب المنقذ والمخلص، وكان لابد لها من شريك مخلص على الأرض لتتقاطع مصالح أصحاب الخط الثالث مع مصالح واستراتيجية تلك الدول وخاصة بعد ما وجدته من الموقف المخزي والمتفرج من قبل النظام السوري لذلك كان لابد لها من التحالف معها والبدء بتغيير استراتيجيتها والعمل بانفراد مع التحالف الدولي ليمدد من نفوذه ومن مناطق سيطرته.
في الجهة المقابلة لم يكن الكرد ممن انتهجوا خط المعارضة في أفضل حالاتهم بل عاشوا صراعاً ومازال حتى الآن بسبب العقلية الاستبدادية وعدم قبول الآخر من جميع القادة الذين تمّ فرضُهم على المعارضة السورية.
هنا بدأت المخاوف التركية تزداد أكثر حيث وجدت نفسها أمام خيار لا ثان له وهو هدم تلك الحصون والقلاع التي تم تأسيسها من قبل عدو الأمس واليوم، لذلك بدأت باستغلال الظروف الدولية عبر التهديد باللاجئين تارة، وكشف المستور تارة أخرى لتباشر بالعمل على تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ، ولتبدأ بهجماتها الطورانية على المناطق الكردية واقتضام اجزاء منها أمام أنظار العالم والدول التي كانت تستثمر الكرد في أغلب الأحيان، نعم تركيا استطاعت أن تستثمر نفوذها وموقعها الحيوي في الضغط على القوى الدولية الفاعلة والمؤثرة واللاعبة بنفس الوقت في سوريا لشن عدوانها الهمجي على الكرد ومناطقهم.
هنا بدأت المعادلة الدولية بالدخول في منعطف جديد، طبعا وبلاشك ماقبل الاحتلال التركي للمناطق الكردية ليست كما بعده، وعلى جميع القوى المتحكمة على الارض اتباع خندق ونهج جديد يتوافق مع الخريطة الجيوسياسية الجديدة والقوى الكردية من ضمنها حيث وجدت نفسها منعزلة عن محيطها بالإضافة الى تعرُّضها لتهديد دائم لوجودها وهنا اقصد الاجتياح التركي لمناطقنا وتهديده الدائم بالبدء بالمرحلة الثانية، كما أن النظام السوري أيضاً، ومن خلال حليفه الروسي أصبح يفرض شروطه مستغلاً الظروف الجديدة لصالحه ولفرض شروطه على القوات الكردية، وأيضاً الأمريكي وجد نفسه محرجاً من الخطيئة التي ارتكبها ترامب من خلال حماقاته المدروسة، ومن جانبه التركي قام بوضع المنطقة تحت تهديد دائم إما بتشكيل واقع جديد يتلاءم مع طموحاته أو يباشر من جديد بالمرحلة الثانية من عمليته التي اسماها نبع السلام.
ولتحفظ ماء وجهها ولتشرعن بقاءها في المنطقة طبعا لحماية المنطقة من خطر التمدد الشيعي عمدت الولايات المتحدة الامريكية الى طرح مشروع جديد وتحت مسمى (الحوار الكردي -الكردي) وبدون شك ليتم عرضه اولا على تركيا وعلى روسيا ثانياً كما ذكرنا مسبقاً يحاول الامريكي تحسين صورته وخاصة بعد الانسحاب من بعض المناطق الكردية وفسح المجال امام احتلالها من قبل الطورانية، وبنفس الوقت لتحقيق إستراتيجيته والتي تستوجب منه شرعنة وجوده كغيره من القوى والدول الفاعلة على الارض وهنا اقصد الروسي والإيراني، عمد الى طرح مشروع الوحدة والحوار الكردي الكردي، هذا المشروع لم يأت من العبث ولم يصل لقامشلو الا بعد مروره بأنقرة وباريس ودمشق وهولير.
تركيا مايهمها هو وجود ادارة مجاورة لحدودها في روج افاي كردستان غير قادرة يوما ما على اثارة اية مخاوف لها كونها تعلم جيدا خطورة الحراك الكردي إن حصل في تركيا في ظل وجود هذه الادارة لذلك من مصلحتها حصول توافق كردي وفق استراتيجيتها، كما ان عودة المجلس الوطني الكردي الى الساحة السياسية في غربي كردستان لم تأت من فراغ بل من خلال توافق دولي وتقاطع للمصالح بعض الدول لذلك علينا الاقتناع بهذه الحقيقة جيدا، ومايهم الامريكي من كل هذا المشروع هو ايجاد توافق كردي ليصبح هذا التوافق نواة اساسية لجسم معارض جديد، والعمل على حصر القضية الكردية فقط في طرفين اساسيين، وليس من المعقول ان يقوم احد الطرفين بدعوة الاخر للحوار حتى لا يعتبر ذلك انضمام احدهما للآخر لذلك كانت مبادرة قسد كراعٍ وضامن ومؤثر على احزاب الوحدة الوطنية، اما في الجانب الاخر المجلس الوطني الكردي وجدها فرصة واستغل هذا التوافق الدولي للدخول في الحوارات الكردية وبقوة اكثر، حيث حاول الامريكي اظهار الطرفين بانهما اعداء ولا يمكن تحقيق التقارب بينهما الا بعد جهد كبير وتعب طويل، لذلك بعد ان تم اطلاق المبادرة الوحدوية كان هناك صمت لفترة طويلة ليعمل بعدها الامريكي على الالتقاء بكل طرف على شكل انفرادي وليثبت بذلك بان الخلاف عميق وأنها الوحيدة التي تملك عصا التوافق والمصالحات من السلسلة المترابطة لاحظنا كيف تحولت المعادلة السياسية من منعطفات عدة حتى وصلت لما نحن فيه الان، والتي تعتبر مرحلة للحل السياسي لذلك عندما نقول علينا بدعم التوافق الكردي كون حساسية الظروف التي تمر بها المنطقة ليست بقادرة على تحمل المزيد من مضيعة للوقت والإطالة
جميعنا يتذكر جيداً المراحل التي مر بها الحوار الكردي وبلا شك العملية السياسية في سوريا اصبحت واضحة اكثر من خلال المؤشرات الدالة على ذلك، والكرد بكل تأكيد جزء من هذه العملية ولن يكون هناك حل من دون الكرد لأنهم يشكلون القوة المؤثرة على الارض بالإضافة الى وجود قسم منهم ضمن المعارضة التي حظيت باعتراف دولي لذلك كان لابد من طرح مشروع الحوار الكردي وبالجهة المقابلة ايضا الكرد يعلمون جيدا بان الحل لملفهم لن يكون بمعزل عن الملف السوري، لذلك طريق الحل يبدو بإيجاد توافق كردي ومرجعية قادرة على تمثيلهم وتصبح الصوت الناطق الوحيد لهم ثم الدخول في الحوار مع باقي المكونات في روج افايي كوردستان وتوحيد النهج السياسي لهم ضمن كتلة وجسم يشكل فيه الكرد النواة الاساسية والفاعلة فيها.
بالإضافة الى السير نحو التفاوض والحوار مع باقي كتل المعارضة وتوحيد الخطاب لها ودخولها في معترك الحل والحوار السياسي مع سلطة دمشق، والاتفاق على ايجاد آلية جديدة لصياغة دستور جديد للبلاد تصان فيه الحقوق والديمقراطية لكافة الشعوب وبالتالي العمل على فرض القرار 2254 الاممي وتطبيقه، وعندما تصبح المرجعية الكردية قادرة على تمثيل الكرد وتكون لها مشاركة حقيقية في لجان صياغة الدستور وليس كما هو عليه الحال الان، وبشكل عملي ستكون قادرة بالطبع على تحديد الخريطة المتكفلة بحماية حقوقهم وبالتالي قيادة دفة الأمور الى شكل الحكم المراد لمناطقهم وحماية مكتسباتهم وبالتالي عليهم قراءة واقعهم جيداً، والوقوف على نقاط الضعف والقوة واستثمارها في خريطتهم الجيوسياسية في المستقبل القريب.