الكورد في بوصلة الأصدقاء

الكورد في بوصلة الأصدقاء

دوران ملكي

انتهى عصر الصداقات بانتهاء عصر الإيديولوجيات الفكرية التي كانت تعتمد على المناهج الثابتة في الحياة العامة ورافقها مجموعة مصطلحات، واستبدلت الآن بمصطلحات المصالح المشتركة والمصالح القومية والأمن القومي والصداقات المتينة.
هي صداقات طاولة المفاوضات وهي وقتية وممكن أن تتغير في أية لحظة، وبذلك تتغير سلسلة الأعداء والأصدقاء وطالما يسيطر مصطلح المصالح عليها فلا توجد عدوات دائمة وكذلك أصدقاء دائمون، وخيبات الأمل من شيم الضعفاء الذين لا يستطيعون حبك الأحداث ويلقون اللوم على الغير.
السياسة الحديثة تعتمد على العلاقة بين الفاعل والمفتعل فإن أصبح طموح المفتعل في شبكة تخطيط الفاعل تولدت صداقة آنية يمكن البناء عليها، وإن لم يحدث ذلك فعلى المفتعل أن يبحث عن فاعل عبر الترويج لما يملك وإغرائه وجذبه وبناء شبكة مصالح معه وإن لم يكن الخياران متاحين عليه الانتظار حتى تنضج الظروف وأية محاولة منه يعتبر هلاكاً حقيقياً ومدمراً، وسوف يسقط وحوافر الخيل تمزقه، ولا أحد يسأل عنه.

الحقيقة إن الفاعل يضع الخطط وعلى المفتعل التنفيذ، ولكن ربما ينافسك مفتعل آخر عندها يهملك الفاعل، وينتهي المديح، ويبدأ العويل والصراخ ولا يسمعك أحد.
إن دراسة الواقع وفهم مآلاته ومصالح الفاعلين والمتنفذين ومداخل ومخارج اللعبة السياسية هي مهمة القادة والمتخصصين ومن لا يملكهم يضيّع قضيته الرابحة، فالفاعل الأمريكي اليوم يغرّد قيادته خارج السرب لأن الطبع يغلب التطبع. فمهما حاول أن يظهر نفسه كرئيس مودرن يسيل لعابه عند أية صفقة مالية فمن يدفع له أكثر يلبي طموحه أسرع فلا تتعجبوا أن تميل بوصلته بعكس خيال أوربا الحليف الاستراتيجي عندما يعرض عليه صفقة مالية من روسيا والعالم في حيرة من أمرهم.
المال الخليجي يتدفق كسيل جارف وشبكة المصالح مع تركيا تتعاظم. أليس من السذاجة أن نقول إن أمريكا تخلت عنا؟
كنا حلفاءها في حربها ضد الإرهاب! في الوقت التي وصل فيها الفاعل الأمريكي إلى مرحلة أن يقول لماذا أسقطنا نظام صدام حسين فقد كان يواجه إيران، ويوقفها عند حدها. ويفكّر الآن ويقول لماذا نحارب الإرهاب؟ ولماذا لا نجعل منهم سيفاً قاطعاً نحارب عن طريقهم من يقف في وجه مصالحنا ورسم خرائطنا فلا عجب أن يتم تحريرهم من السجون ويصبحون كحصان طروادة لمرحلة جديدة.
توجد سياسة أمريكية راسخة تعتمد على نتاج المعاهد البعثية وتقارير المخابرات الأمريكية يعتمد عليها الرئيس مع هامش من الحركة للرئيس وهي ما يراهن عليها دونالد ترامب، ويعرضها للمزاد العلني فتخلي تركيا عن الغاز الروسي البخس واستبداله بعقود طويلة الأجل في الغاز الأمريكي الباهظ حتى يتم غض الطرف عن سياساته في سوريا ويقلل ولو لفظياً من حقوق الشعب الكوردي في سوريا في الفيدرالية إلى هيئة حكم محلي كي لا تصبح الفيدرالية مقاساً في كل أجزاء كوردستان.

تميل البوصلة باتجاه المال لكن سرعان ما تعود إلى وضعها الطبيعي بضغطٍ من الفاعلين في الإدارة الأمريكية وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ليعلن للطرف الآخر. إن مفاتيح كل السياسات ليس بيده فقط ولربما هو من أخبر الأعضاء بالاعتراض.
يمشي كالطاغوت يهدد، ويضرب، ويقنص بأسرع ما يمكن لأن أمامه فقط سنتان فعليتان يتوجب فيها تغيير خارطتي الشرق الأوسط والأدنى، ولربما الأقصى ورسم خريطة جديدة على أنقاض سايكس-بيكو ويسميها ترامب-بوتين، ولكن هل يمرق على الصين وأوروبا فكما هناك مفتعلون كثر هناك فاعلون أيضاً ومتنافسون يمكن الاعتماد عليهم وبناء صداقات معهم.
في خضم هذه التطورات لا يسعنا إلا أن نقول مهما كانت الميول المالية طاغية فهناك إستراتيجية ثابتة، الدليل على ذلك وكل التوقعات تشير إلى حصة للشعب الكردي في هذه الخرائط الجديدة.