هل من الممكن تجنّب المزيد من الأخطاء والمآسي في غرب كوردستان؟
فيصل نعسو
بادئ ذي بدء، لا بد من إلقاء الضوء على دور القوى الدولية الكبرى بتحالفها الغربي؛ أعضاء حلف الناتو بقيادة أمريكا ومعهم كل من تركيا وإسرائيل وإلى حد ما الدول العربية من طرف، ومن طرف آخر الحلف الشرقي بزعامة روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وبعض الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
الصراع الجاري الآن في منطقة الشرق الأوسط وكوردستان، بما فيها غرب كوردستان منها في سوريا، مرتبط فعلياً بالذي يجري على النطاق العالمي. فبدون رؤية محايدة وتقييم موضوعي لما هو محيط بالجغرافيا الإقليمية للكورد وكوردستان، سوف نصبح الضحية الأولى فيها. فها هي تباشيرها الأولى قد لاحت في الأفق أمام أعيننا في غرب كوردستان وروچهلات كوردستان.
أليس هذا كافياً لنا نحن الكورد أن نعيد النظر وندقق الرؤى كقوى سياسية وأحزاب وقادة ورجال فكر كورد، بخطواتنا وتصرفاتنا ومواقفنا المتخذة في بداية قرننا الحالي؟ كيف نحافظ على حقوقنا القومية المشروعة المكتسبة في باشور وغرب كورستان؟ والعمل على تحقيق المزيد منها في كلا الجزأين؟
ولبلوغ الطموحات القومية الكوردية التحررية فيهما، ولا يتحقق هذا إلا من خلال الإقدام على ما يلي:
كوردستانياً
يجب الكفاح المبدئي والعمل المتواصل من أجل حق تقرير المصير للكورد من قبل كافة المعنيين، مجموعات وفرادى، أحزاب وجمعيات، رجال فكر وشخصيات تحظى بسمعة طيبة بين جماهير الشعب الكوردي في العالم وكوردستان لتقوية دعائم الانتماء الإثني المشترك الفعلي، وتعزيز الشعور الإنساني الكوردستاني الموحد، وتطوير أساليب النضال القومي - المجتمعي العام بين مختلف الطوائف والمذاهب الكوردستانية الحاصل واقعيا، خدمة للكورد.
من الأهمية بمكان، أن أتطرق ولو بإيجاز إلى ما هو إيجابي ومفيد لموقفنا ككورد عالمياً وإقليمياً وحتى محليا من أبناء الأطياف القومية والدينية والمذهبية القاطنين بين ظهرانينا، وحتى بعض حكومات دولها المتاخمة التي يخضع بعض أجزاء كوردستان لسلطتها و كذلك البعيدة منها، حيث يتطلب منا ألا نخلط الحابل بالنابل فيها، ونميّز بين الخيّر والشرير لأناسها، ونفرّق بين الصالح والطالح في صفوفها، ونتجنب التصاريح الهوجاء والشعارات الفضفاضة ضدها، التي جميعها تثير الحقد والكراهية وتعمق الشروخ المجتمعية بين أبناء البلد الواحد المتعدد الانتماءات؛ لأن ذلك يجعلنا أن نحظى نحن الكورد بتأييد في العالم، والاعتراف بتميّزنا عن المتعصبين والإرهابيين، وربما التعاطف معنا تدريجياً من المغررين والبسطاء منهم، وحتى بعض المسؤولين والقادة الشرفاء المخلصين لطوائف وسلالات جارة لنا. فقد أشار إليه الزعيم الكوردي مسعود بارزاني مرات عديدة حين قال: «يجب أن نبتعد عن السعي إلى خلق عداوة مع الشعوب العربية» وأضيف بدوري مع الشعب التركي والفارسي وغيرهم أيضاً.
كوردستان وسوريا
إن إيجاد الحلول المرضية للمسألة بالغة التعقيد، فيها الكثير من الجوانب الذاتية والموضوعية التي لا يستطيع الكورد التحكم فيها بما يجري، بشأن القضايا المصيرية لحق الشعب الكوردي في تقرير المصير بسوريا (الحكم الذاتي بمختلف هياكله وتسمياته، الفيدرالية ........الخ) نتيجة الصراع العالمي المحتدم الآن بين المعسكرين الغربي والشرقي، وتكالب الدول الإقليمية عليها العربية (مصر والسعودية وغيرها) وغير العربية (تركيا، إسرائيل، إيران) إذ يعد موقع غرب كوردستان ممراً طبيعياً للوصول إلى سوريا (بلاد الشام) كمدخل إلى الشرق الأوسط، لذلك التنافس بين الدول الكبرى وحلفائها الإقليميين (حكومات ودول) والمحليين (أحزاب وقوى مجتمعية مختلفة ورجال فكر وشخصيات ذات وزن شعبي) حاد جدا لبسط النفوذ والهيمنة عليها.
لكن الموضوع الحاسم المستقبلي، من وجهة نظري، هو حماية وتعزيز التوافق والتفاهم الذاتي الكوردي، ولو بالحد الأدنى، بين مختلف القوى والفصائل المناضلة الكوردية بل وغير الكوردية منها، المؤمنة فعليا بالعيش المشترك والاعتراف بالآخر المختلفة عنها، بصرف النظر عن الموقف الايديولوجي والسياسي لها، المتبلور في تبني دستور ديموقراطي ينسجم مع الواقع الكوردي وباقي الأقليات الإثنية (العرقية) والدينية والطائفية في البلاد، وشراكة حقيقية في الأجهزة الحكومية ودوائر السلطة، عبر انتخابات حرة ديموقراطية على مستوى الدولة السورية وفي المحافظات وإدارات الأقضية والنواحي وحتى لجان القرى والبلدات، آخذة في الحسبان تعداد وإحصاء واقعي لكل مجموعة سكانية سورية أكثرية كانت أم أقلية.
بهذا الشكل، نكون قد أسسنا لنظام حكم تعددي ديموقراطي، يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات أمام القانون، دون شعور بالتمييز بين أبناء الشعب السوري بمختلف انتماءاته، ويصبح حق المواطنة هو الفيصل في حل كافة العقد والصعاب التي سوف تواجهنا مستقبلاً.