نار تحت الرماد
هيثم مراد
ما يجري اليوم في سوريا يشبه محاولة إخماد نار مشتعلة عبر تغطيتها بالرماد ووضع الحجارة فوقها دون إطفائها فعلياً. قد يبدو المشهد هادئاً من الخارج لكن النار في الداخل لا تزال حية تنتظر لحظة الانفجار.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ما يحدث هو عمل سياسي مدروس
أم جهل بطبيعة وتعقيدات المجتمع السوري؟ أم مجرد محاولة للسيطرة السريعة والخروج أمام الجماهير بصورة المنتصر وترك الأيام تقرر المصير.
ما نشهده اليوم هو محاولة فرض واقع من قبل فئة محدودة من السوريين معروفة تاريخياً كانت ولا تزال جزءاً من المشكلة لا من الحل. هذه الفئة تعود بوجه مختلف وخطاب جديد لكن الممارسات على الأرض لا تبعث على الاطمئنان بل تثير الاستغراب وتفتح باب عدم التفاؤل.
ما حدث في الساحل السوري مثال واضح على ذلك. الأزمات تركت دون معالجة حقيقية، والملفات أغلقت شكلياً بينما النار بقيت مشتعلة تحت الرماد. لم يكن هناك حل عادل أو رؤية شاملة بل تأجيل للانفجار وكأن المطلوب فقط كسب الوقت.
وفي السويداء لم يتم التوصل الى حل يدمج المحافظة ضمن الدولة بشكل واضح وقائم على الشراكة والحقوق، بل تركت المحافظة دون حل نهائي خارج إطار مشروع وطني جامع يعالج أسباب الأزمة لا نتائجها فقط. أما في قامشلي والحسكة فإن توزيع المناصب ومحاولات الإدارة الشكلية لن تفضي الى حل حقيقي. تقاسم المواقع لا يبني دولة، ولا يصنع استقراراً، ولا يحقق العدالة. إن الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف أن سوريا لا يمكن أن تُدار بعقلية الغالب والمغلوب ولا بمنطق الإقصاء أو فرض الأمر الواقع. سوريا تحتاج الى حوار وطني حقيقي لا شكلي، حوار تشارك فيه كل القوى والمكونات دون استثناء، ويكون هدفه الوصول الى عقد اجتماعي جديد.
هذا العقد يجب أن يتمثل بدستور وطني يضمن الحقوق والحريات لجميع السوريين على قدم المساواة دون تمييز، ويحدد شكل الدولة وصلاحيات السلطات، ويكفل العدالة والاستقلال الحقيقي للقضاء، ويمنع عودة الاستبداد باي شكل من الأشكال.
كما لا بد من تفعيل الحياة السياسية عبر برلمان حقيقي يمثل إرادة الشعب والدعوة السريعة إلى انتخابات نزيهة وشفافة وتفعيل دور الأحزاب ضمن إطار ديمقراطي وقانوني واضح.
سوريا لا تحتاج الى إدارة أزمات، ولا إلى حلول مؤقتة، بل الى مشروع وطني شامل يعالج جذور المشكلة لا قشورها. فالنار التي تترك اليوم تحت الرماد ستنفجر غداً، وربما بشكل أعنف.
الطريق الوحيد للنجاة هو دولة تشاركية ديمقراطية يحكمها الدستور والقانون، ويحميها الحوار لا القوة، ويكون فيها الوطن للجميع لا لفئة دون أخرى.