ليلة الغياب الأولى
ســـــيماف خالد محمد
كلّنا مررنا بتلك الليلة الأولى التي يقف فيها من حولك مطمئنين، يؤكدون أن الجو دافئ، وأن لا شيء يستدعي كل هذا الارتجاف، بينما تشعر أنت ببردٍ قاس يستقر في عظامك كحقيقة لا تقبل الجدل.
بردٌ لا يلسع الجلد فحسب بل يتوغّل إلى الداخل، إلى منطقةٍ لا تصلها الأغطية ولا الكلمات المواسية، بردٌ لا علاقة له بالطقس، بل بفراغٍ تشكّل فجأة في مكانٍ كان عامراً بالأنفاس والضحكات والوجود، مكانٌ كان دافئاً بمن فيه فلما خلا، انطفأ دفؤه كأنهم أخذوه معهم، وتركوا الجدران باردة.
كلّ شيء يبدو كما هو: الجدران ثابتة، الضوء الخافت ينساب بالهدوء ذاته، الوسادة في موضعها المعتاد، والساعة تمضي بإيقاعها القديم، الصورة لم تتبدّل لكن المعنى انكسر الغياب لا يبدّل الأشياء، بل يبدّلنا نحن يعيد ترتيب التفاصيل في داخلنا، فيجعل ما كان عادياً مؤلماً، وما كان مألوفاً غريباً.
فجأة تصبح المسافة بينك وبين النوم مسافة عمر، ويغدو إغماض العينين مغامرةً غير مضمونة، لأنك تعرف أن خلف الجفون ينتظرك ذلك الفراغ عارياً من أي ستار.
في تلك الليلة تدرك أن الدفء لم يكن حرارةً في المكان، بل حضوراً وأن الأمان لم يكن جداراً يحميك بل معنىً يسكن الأشياء فيجعلها قابلة للاحتمال، تدرك متأخراً أن بعض ما كان يحيط بك كان يمسك قلبك من دون أن تشعر، وأنه حين أفلت سقطت في هذا البرد الذي لا اسم له.
تُغمض عينيك في محاولةٍ أخيرة للنوم وكأنك تدخل مفاوضةً صامتة مع الليل، لكن ما إن تستسلم لثوانٍ قليلة، حتى تبدأ الكوابيس في ملاحقتك، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة تحديداً لحظة أن تخلو المساحة، تسقط الحراسة وأن تبقى وحدك تماماً، تتقلّب بعصبية، تفتح عينيك مذعوراً، يعلو صدرك، ويهبط بإيقاعٍ مضطرب، وتحدّق في السقف طويلاً كأنك تنتظر منه تفسيراً.
ثم تسأل بصوتٍ خافت: لماذا كل هذا الظلام؟ هل كان يتربّص منذ زمن، ينتظر أن يخلو المكان ليتمدّد؟
هل كان الصمت يجمع نفسه بصبرٍ طويل، طبقةً فوق طبقة، ثم اختار هذه الليلة ليُفرغ ثقله دفعةً واحدة؟
تمدّ يديك إلى صدرك تضعهما فوق قلبك كأنك تمنعه من الهروب، وتُغمض عينيك من جديد، تدعو.... تدعو لا طلباً لمعجزةٍ تعيد ما كان بل رجاءَ سكينةٍ صغيرة تكفي لعبور هذه الساعات الثقيلة.
تحاول أن تؤمن بأن الدعاء قد يكون غطاءً غير مرئي، حاجزاً رقيقاً يفصل بينك وبين الانهيار، وأن القلب حين تُمسكه بيدك يهدأ قليلاً، كما يهدأ طفلٌ حين يجد يداً تشدّ على يده في العتمة.
تتمتم بالدعوات متواصلاً لأن التوقف يعني أن تترك الليل بلا مقاومة، وأن تترك الظلام يقول كلمته الأخيرة.
إنها الليلة التي تنامها في غيابِ ما كان يمنح الليل شكله ومعناه، في الحضور لم تكن تدرك أن الامتلاء لم يكن في الأثاث ولا في الضوء، بل في ذلك الوجود الذي كان ينساب بين الأشياء فيمنحها دفئها الخفي، لم تكن تعلم أن مصدر الطمأنينة قد يبدو عادياً إلى حدّ أنك لا تراه، وأن الفراغ لا يظهر إلا حين ينسحب بصمت.
في الصباح الذي يزحف ببطءٍ ثقيل، لا تبكي يقف البكاء عند حافة حلقك ولا ينحدر، كأنه وجد في حنجرتك مقاماً دائماً، يبدو الصمت طبيعياً لمن يراك وتبدو البحة في صوتك عابرة، لكن الداخل مزدحم بما لا يُقال.
البيت يؤدي وظائفه كالمعتاد الأبواب تُفتح، الماء يغلي، الضوء يتسلل من النافذة بانتظامٍ لا يعبأ بما حدث وحده النقص يربك الإيقاع، وحدها المساحة الفارغة تغيّر شكل الحركة، كأن الهواء نفسه صار أقلّ اكتمالاً.
تحاول أن تستعيد تفاصيل عادية كانت تملأ الليل: صوتاً عابراً، نفساً هادئاً، فكرةً لم تكن تستحق الالتفات، تكتشف أن الذاكرة لا تحفظ ما نقرّر الاحتفاظ به، بل تحفظ ما كان يصنع الإيقاع الخفي للأيام، وبعد أن اختلّ الإيقاع يبدو كل شيء إمّا زائداً عن حاجته أو ناقصاً أكثر مما ينبغي.
ترفع عينيك عن السقف لتتعلّق بتفاصيل صغيرة لا معنى لها: مقبض بابٍ لا يتحرّك، نافذةٍ نصف مغلقة، خطّ ضوءٍ يتسلّل خافتاً عبر الستارة، تراقبها طويلًا، كأنك تنتظر منها إشارةً ما، أي خللٍ في هذا الثبات المربك تصرف نظرك عنها، ثم تعود إليها لا لأن فيها جواباً، بل لأن الفراغ في الداخل أشدّ وطأة من صمت الأشياء.
أنت لا تهرب من الحقيقة، فأنت تعرفها جيداً لكن القلب لا يسير بالسرعة نفسها التي يسير بها العقل، العقل يعلن الفقد بوضوحٍ بارد، أمّا القلب فيحتاج زمناً أطول ليفهم كيف يعيش بعده.
تعدّ ما كان يزعجك في الأمس تفاصيل صغيرة كنت تظنها عبئًا، تكتشف الآن أنها كانت خيوطًا في نسيجٍ متكامل تدرك أن الاختلاف، الضيق وحتى الضجر العابر، كانت علامات حياة لا تُرى إلا بعد انطفائها وأن ما حسبته يوماً نقصاً، كان شكلاً آخر من أشكال الامتلاء.
تحسب الساعات فلا تثق بالحساب لأن الزمن في ليلة الغياب الأولى لا يُقاس بالعقارب، بل بقدرة الروح على الاحتمال، تسأل نفسك: هل ستمر هذه الليلة فعلاً؟ أم أن بعض الليالي لا تنتهي عند الفجر، بل تظل ممتدة في الداخل، نعيشها ونحن نمشي ونتحدث ونؤدي ما ينبغي أداؤه، بينما شيءٌ فينا ما زال عالقاً هناك؟
ليلة الغياب الأولى لا ترتبط بشخصٍ بعينه ولا بشيء محدد، إنها التجربة الإنسانية الأصدق حين نفقد ما كان يمنح حياتنا إيقاعها، هي اللحظة التي ندرك فيها أن العالم لا ينهار في الخارج، بل يعاد ترتيبه في الداخل وأن علينا رغم البرد أن نتعلم تعريفاً جديداً للدفء، للأمان وللاكتفاء.
تُغمض عينيك مرةً أخرى تضع يدك على قلبك، كأنك تثبّته في مكانه وتدعو… لا لعودة ما غاب، بل لقوةٍ تكفي لتفهم كيف يُعاد ترتيب العالم بعد أول غياب، وكيف يمكن للإنسان، رغم كل شيء، أن ينجو من ليلته الأولى.