آفاق جديدة في سوريا، جهود المصالحة السياسية وتعزيز التنوع الوطني

آفاق جديدة في سوريا، جهود المصالحة السياسية وتعزيز التنوع الوطني

عزالدين ملا

دخل اتفاق 30 كانون الثاني بين الحكومة السورية وقسد حيّز التنفيذ في خطوةٍ مفصليةٍ تعكسُ توجّه الدولة نحو تعزيز الاستقرار وبسط سلطة المؤسسات الرسمية، وذلك من خلال انتشار قوات الأمن العام السورية في المراكز والمؤسسات الحكومية.
بالتزامن مع هذه التطورات، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني وفد رئاسة المجلس الوطني الكردي في لقاءين منفصلين، حيث شدّد الرئيس الشرع على التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد (الكورد) ضمن إطار الدستور، فيما رحّب الوفد بالمرسوم الرئاسي رقم /13/ واعتبره خطوة مهمة في تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية.

1-ما أهمية دخول اتفاق 30 كانون الثاني حيّز التنفيذ في هذه المرحلة بالنسبة للاستقرار السياسي والإداري في البلاد؟
2-كيف يساهم انتشار قوات الأمن العام في المراكز والمؤسسات الحكومية في تعزيز سيادة الدولة وبناء الثقة مع المواطنين؟
3-ما دلالات استقبال الرئيس السوري ووزير الخارجية لوفد رئاسة المجلس الوطني الكردي في هذا التوقيت؟
4-كيف يترجم التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الكورد ضمن إطار الدستور على أرض الواقع؟
5-ما أثر المرسوم الرئاسي رقم /13/ في تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمواطنين الكورد؟

جهود دبلوماسية وسياسية لتحقيق الاستقرار وحقوق الكرد في سوريا

تحدث عضو الهيئة السياسية لحزب يكيتي الكوردستاني- سوريا، فؤاد عليكو، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بعد فشل تطبيق اتفاقية 10 آذار بين الحكومة المؤقتة وقسد، بعد سلسلة من اللقاءات دامت طوال الفترة المحددة بنهاية عام 2025، عُقد اجتماع في باريس بين المبعوثين الأمريكيين وإسرائيل وسوريا وفرنسا، بحضور جانبي لتركيا، وتمخض عن هذه الاجتماعات تفاهمات بين الجميع من شأنها سيطرة الحكومة على كامل الأراضي السورية، بالإضافة إلى حصول تفاهم بين إسرائيل وسوريا، من خلال سلسلة من الإجراءات، والتي من شأن تطبيقها أن يفضي إلى نوع من التطبيع مع إسرائيل، مثل التنسيق في المسائل الأمنية والتجارية والاستثمارية والطبية في الجنوب السوري وغيرها الكثير من الأمور غير المعلنة حتى الآن. وقد بات واضحًا أن نتائج هذه التفاهمات قد تبلورت على الأرض من خلال هجوم السلطة في اليوم التالي على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بقسوة، ثم ما تلا ذلك من معارك في غربي وشرقي الفرات، خرجت بموجبه محافظتا الرقة ودير الزور من سيطرة قسد، وكذلك بعض المناطق العربية في محافظة الحسكة، وانحصر تواجد قسد في كوباني والمناطق ذات الأغلبية الكردية ومدينة الحسكة. وهنا أصبح التهديد جدياً على الكورد، وخشية من حصول انتهاكات كبيرة بحقهم. تحركت الدبلوماسية الكردية في إقليم كوردستان العراق بقيادة الرئيس مسعود بارزاني على مختلف الصعد الإقليمية والدولية، واتصالاته مع الرئيس السوري، وترافق ذلك مع خروج مئات الآلاف بمظاهرات يومية في أوروبا وتركيا والإقليم وأمريكا، مما شكل دعمًا ورافعة قوية للعمل الدبلوماسي لقيادة الإقليم. ومن نتائج ذلك التوقيع على اتفاقية 18 كانون الثاني في هولير بين المبعوث الأمريكي وقائد قسد السيد مظلوم عبدي، والرئيس أحمد الشرع، بحضور المبعوث الأمريكي توم براك، والتي عدلت فيما بعد في بعض فقراتها التنفيذية في اتفاقية دمشق في 30 كانون الثاني 2026، والتي دخلت حيز التنفيذ الآن بسلاسة وإيجابية، رغم بعض الاعتراضات والاحتجاجات الشعبية هنا وهناك، لكنها ستخف تدريجياً مع تزايد وتيرة التطبيق بين الطرفين. وبالتالي، فإن من شأن تطبيق هذه الاتفاقية أن يبعد شبح الحرب عن المناطق الكردية، ويعيد المهجّرين إلى مناطقهم، ويوفر بيئة مناسبة للحوار مع الحركة السياسية الكردية. وهذا ما لمسنا نتائجه من خلال زيارة وفد المجلس الوطني الكردي لدمشق، وزيارة وفد من أهالي كوباني لحلب للقاء المسؤولين هناك، وتعيين محافظ كردي لمحافظة الحسكة، وهذا سابقة لم تحدث منذ تأسيس الدولة السورية. وكلها مؤشرات إيجابية للاستقرار الأمني والسياسي والإداري في المناطق الكردية والمناطق ذات الأغلبية الكردية».

يتابع عليكو: «كما تعلمون، أن جميع المرافق الإدارية الحكومية في مناطق سيطرة قسد قد توقفت عن العمل بعد إسقاط النظام المخلوع، وهذا شكل عبئًا ثقيلاً على كاهل المواطنين، وتوقفت بموجبه الكثير من النشاطات التجارية والعقود القانونية، مثل شراء وبيع العقارات، إضافة إلى تحميل المواطنين أعباء كبيرة في تسجيل الولادات والزواج والحصول على الوثائق القانونية، كالهوية الشخصية وجوازات السفر، واضطرارهم للسفر إلى دمشق لتأمين ذلك، وهذا يكلفهم الكثير من الوقت والمال. وعليه، فإن دخول القوى الرمزية للقوى الأمنية السورية وانتشارها في المراكز والمرافق الحكومية، بهدف تفعيل هذه المؤسسات، يعتبر ضرورة حياتية للمواطنين، كما يعزّز الثقة بين الحكومة والمواطنين، ويساهم في تخفيف التوتر الحاصل نتيجة المعارك المؤسفة التي حدثت بين قسد وقوات الحكومة المؤقتة».

يضيف عليكو: «إن استقبال الرئيس الشرع لرئاسة المجلس الوطني الكردي يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، وكان يفترض أن تُتخذ هذه الخطوة بعيد سيطرة إسقاط النظام البائد، أو بعد انعقاد كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي في 26 نيسان 2025. حيث كان يفترض بالرئيس الاستماع حينها لوجهة النظر الكردية في الأزمة السورية بشكل عام، والقضية الكردية بشكل خاص، وربما كنا نتجنب المعارك المؤسفة التي حصلت بين قسد والقوات الحكومية، وما نتج عنها من ضحايا وفقدان الثقة، وارتفاع منسوب خطاب الكراهية بين الكرد والعرب. لكن، وكما يقول المثل، أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً. وعليه، فإن هذا اللقاء فتح نافذة جدية لبدء حوار حقيقي بين ممثلي الكرد والحكومة الانتقالية. كما تبين أن اللقاء كان إيجابياً، وبشّر بفتح صفحة جديدة، وأعتقد أن هذا اللقاء قد فتح الباب للقاءات قادمة مع الوفد الكردي المنبثق عن المؤتمر الكردي قريباً. وعلى ذلك، أستطيع القول بأن مهما كانت الخلافات كبيرة وعميقة، فإن لغة الحوار والتفاهم حول المشتركات تبقى أفضل بكثير من الاحتكام إلى لغة العنف ومنطق الغلبة بين أبناء الوطن الواحد».

حول التزام الدولة بضمان حقوق الكرد في الدستور، يُشير عليكو: «إن الأمر يحتاج بداية إلى بناء الثقة بين الحكومة الانتقالية والكرد، وهذا يتطلب فتح حوار جدي وبناء، بهدف الوصول إلى تفاهمات ومشتركات حول كيفية حل القضية الكردية في سوريا، ثم المشاركة الحقيقية من قبل ممثلي الأكراد في لجنة صياغة إعداد الدستور المستقبلي لسوريا الجديدة، وإدخال ما تم الاتفاق عليه في الدستور. وهذا ما وعد به الرئيس الشرع لوفد المجلس الوطني الكردي أثناء اللقاء، ويعتبر عاملاً مبشراً ومشجعاً للاستمرار في تفعيل آلية الحوار بشكل شامل وأوسع، من قبل اللجان السياسية والقانونية من الطرفين، بهدف الوصول إلى صيغة مقبولة على الأقل من الطرفين، بما يخدم الشعب السوري ككل».

يختم عليكو: «إن المرسوم التشريعي رقم 13 جاء كبشارة أمل كبيرة بفتح صفحة جديدة في تناول القضية الكردية بشكل إيجابي، إذ لأول مرة منذ تأسيس الدولة السورية قبل 80 عامًا، اعتدنا خلال هذه الفترة الطويلة على صدور قوانين ومراسيم من الحكومات المتعاقبة على حكم سوريا، وكانت جميعها تهدف إلى طمس الهوية القومية الكردية، وفق سياسة عنصرية ممنهجة، طال الحجر والبشر. إن صدور مثل هذا المرسوم الذي يعترف صراحة بالهوية الوطنية الكردية والحقوق الثقافية في سوريا، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، مع إعادة الجنسية للمجردين منها والمكتومين، واعتبار عيد نوروز عيدا قومياً للكرد. وعلى الرغم من بعض الملاحظات على بعض النقاط الغامضة في المرسوم، إلا أنه يعتبر خطوة إيجابية ومهمة في الاتجاه الصحيح، ومقدمة في تناول القضية الكردية من جانبها السياسي أيضاً. وما يهمنا في هذا الخصوص، أن يتم الالتزام بها من قبل الحكومة، وتطبيقها عملياً، ثم تثبيتها في الدستور بعد تلافي الملاحظات التي ستقدمها الحركة الكردية عبر المفاوضات المستقبلية. وفي النهاية، أستطيع القول إننا نسير في الاتجاه الصحيح، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. نتمنى لسوريا مستقبلًا مزدهرًا لجميع مكوناتها، وسوريا تتسع للجميع، بعيداً عن منطق الإقصاء والتهميش».

تحولات القضية الكوردية بين التحديات والأمل

تحدثت عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا، بسه عبدي، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «حقيقة أن القضية الكوردية في سوريا تمر بأكثر مراحلها دقة وحساسية، حيث إن العالم يمر بمتغيرات دراماتيكية تكاد تكون غير منطقية. فبعد الكثير من الحروب والصراعات والمنازعات، تتجه الحلول المقترحة إلى منحى غير متفق عليه، مع سياقات السياسة المتعارف عليها منذ عقود من الزمن، حيث كان السائد تغليب قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وتبني سياسات منسجمة مع تحقيق العدالة نوعاً ما، وتحديداً هذه التوجهات هي ما كانت تبنى عليها التكهنات حول الحلول المقترحة لتحقيق نتائج تسعى إلى تحقيق الاستقرار والديمومة، ونبذ العنف، ومحاربة الإرهاب فكراً وممارسةً، وكذلك هياكلها وأشخاصها. وضمن هذه السياقات، وجدت الحلول للأزمة السورية، حيث أسقط نظام بشار الأسد وأوجد نظام حكم جديد حتى الآن غير واضح المعالم، حيث لا يوجد مسار سياسي واضح يمكن من خلاله فهم الصورة التقريبية لمستقبل سوريا. لذلك، فإن القضية الكوردية، التي خطط لها بدايةً بالإنكار والتهميش، قد خرجت من النفق، رغم الكثير من الجهود السيئة من الجوار السوري والإقليمي، التي مارست العديد من الضغوط لوأدها مرة أخرى. وبدا ذلك جلياً في مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري ومرسوم تسمية الأعياد والعطل الرسمية، الذي تجاهل عيد نوروز عن سابق إصرار وتصميم. بالإضافة إلى ذلك، تم اختراع خطاب جديد مليء بالتحريض والكراهية، والحض على الإساءة، وتغذية النفوس بالحقد الأعمى. هذا الخطاب استهدف الشعب الكوردي عامة، وأهان رمزيته التاريخية ووجوده على أرضه.

تتابع عبدي: «إلا أن صدور المرسوم رقم 13 وما اشتمل عليه من تفاصيل وشرح في مقدمته، باعتباره اعتبار الكورد مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري، هو ما اعتبر خروجاً حقيقياً من النفق ورؤية للنور، حيث حقق ارتياحاً كردياً على المستويين السياسي والشعبي. وكذلك، برأيي، كان تأثيره أكبر على المكون العربي الذي فوجئ برأس النظام الحاكم في دمشق يتحدث بخطاب يختلف عما اعتادوه، وكانوا ينادون به قبل أيام من سرديات قبيحة. فجأة، تغيّرت الأمور بالنسبة لهم، على الرغم من أن المرسوم بداية جيدة ونقطة مفصلية في تاريخ النضال الكوردي في سوريا، إلا أنه يعتبر فقط بداية السطر، وعليه يجب الاستمرار في الحوار والتواصل، وتذليل التحديات بهدف الوصول إلى أعلى نسبة ممكنة من تحقيق المطالب الكوردية. والنقطة الثانية من حيث الأهمية، اللقاء الذي جمع وفد المجلس الوطني الكوردي والرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني. هذا اللقاء، أيضاً، باسم وفد المجلس الوطني الكوردي، الذي يعني في دلالته الاعتراف السياسي بوجود حالة تنظيمية كوردية لديها مطالب وممثلون، وليسوا مجرد مجموعة أفراد ضمن الفضاءات السورية».

أما بالنسبة لتطبيق اتفاق 30 كانون الثاني، فتشير عبدي: «إلى أن أهم نتائجه هي إيقاف الحرب، وبالتالي إيقاف القتل والتدمير، ووقف مخطط جر المنطقة إلى صراع كوردي عربي إلى الأبد، وهو ما تم بجهود الزعيم مسعود بارزاني ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، اللذين ضمنا طرفي الصراع ومنعا استمرار الحرب، مما يعني، في الحقيقة، عودة سيطرة الدولة على كافة المؤسسات، وإعادة تسيير الخدمات إلى عموم السكان في محافظة الحسكة ككل. فعودة الأمن العام إلى مراكز المدن الأساسية يعني عودة مركزية القرار إلى الدولة، حيث إن تولي أفراد من المنطقة لبعض المناصب لا يغير من حقيقة بقاء شكل الحكم مركزياً بسيطاً، طالما أنه لا يوجد نظام معين متعارف عليه، ولا يوجد مجلس تمثيلي يمثل سكان المنطقة، طالما أن هناك غياباً للحياة السياسية، وفي الدستور، يبقى الأمر مركزياً سياسياً، ولامركزياً إدارياً. والأهم، أن يثبت كل ذلك في الدستور المنتظر».

حوار الثقة وإعادة بناء الحقوق

تحدث رئيس الهيئة التنفيذية لتيار مستقبل كردستان سوريا، أكرم حسين، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «تعيش سوريا اليوم مرحلة تاريخية مفصلية، تتداخل فيها العديد من العوامل التي قد تشكل مستقبل البلاد، في ظل محاولات إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. تتمثل هذه اللحظة في خطوات عملية، مثل تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني للانتشار الأمني، وزيارة وفد المجلس الوطني الكردي إلى دمشق، بالإضافة إلى الترحيب الكردي بالمرسوم الرئاسي رقم 13. هذه التطورات ليست مجرد أحداث سياسية منفصلة، بل هي بداية فصل جديد في مسار طويل ومعقد، يهدف إلى إيجاد توازن بين منطقين متعارضين: الأول هو منطق السيادة والأمن، الذي تدفع به الدولة، والثاني هو منطق الاعتراف بالحقوق، الذي يطالب به المكونات التي تعرضت للتهميش تاريخياً. وتعد هذه اللحظة اختباراً حقيقياً لمستقبل سوريا، إذ إن البلاد تسعى للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار الذي يضمن الحقوق والعدالة لكل مكوناتها».

في هذا السياق، يضيف حسين: «إن تطبيق اتفاق 30 كانون الثاني، يمثل خطوة نوعية نحو مرحلة ما بعد الحرب، وبهذا يعد الانتشار الأمني جزءاً مهماً من عملية استعادة الاستقرار في المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة الدولة، ولكنه يجب ألا يكون هدفاً بحد ذاته. الأهم هو تأثير هذه الخطوة على واقع المواطن السوري. فبينما تزداد الحاجة إلى سيطرة الدولة على كافة المناطق، من المهم التمييز بين أن تكون الدولة "قوة غازية" أو "مؤسسة خادمة وحامية" للمواطنين، ويتحقق ذلك من خلال ضمان الأمان والخدمات للمواطنين، وتحويل الانتشار الأمني إلى أداة لضمان العدالة وحماية الحقوق، بدلاً من أن يكون وسيلة لفرض السيطرة».

يشير حسين إلى أن: «بناء الثقة بين المواطن والدولة لا يمكن أن يتم عبر القوة العسكرية فقط، بل يجب أن يرتبط الأمن بتوفير العدالة وحماية الحقوق وفرض سيادة القانون. إن معادلة بناء الثقة بين الدولة والمواطن تتمثل في إيجاد توازن بين الأمن والعدالة.

يرى حسين أن: «زيارة وفد المجلس الوطني الكردي إلى دمشق تكتسب أهمية كبيرة. فلقاء الرئيس السوري ووزير الخارجية مع الوفد الكردي يحمل رسائل متعددة. بالنسبة للداخل السوري، يعكس اللقاء رغبة الدولة في معالجة القضية الكردية عبر الحوار السياسي، وليس عبر الحلول الأمنية فقط. أما بالنسبة للطرف الكردي، فيعكس اللقاء إشارات تطمينية بأن دمشق مستعدة للحوار بعد تعزيز وجودها الأمني، وهي مستعدة للاستماع إلى المطالب الكردية ضمن الإطار الدستوري. أما بالنسبة للخارج، فإن هذه الخطوة تمثل سعي الدولة لاستعادة المبادرة في إدارة هذا الملف، وإظهار نفسها كطرف قادر على استيعاب التنوع داخل المجتمع السوري. لكن، يبقى السؤال المركزي: هل ستترجم هذه اللقاءات إلى خطوات عملية؟ والسؤال هنا ليس عن "منح حقوق" من الدولة، بل عن "الاعتراف المتبادل" وبناء شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع الكردي. فالتاريخ الطويل من التهميش يجعل المجتمع الكوردي في سوريا في حالة من الحذر، وهو ينتظر أن تتحول هذه اللقاءات إلى إجراءات ملموسة، والتحدي الأكبر يكمن في كيفية تحويل الالتزام الدستوري إلى واقع عملي يشمل كافة الجوانب السياسية، والثقافية، والاجتماعية».

يؤكد حسين أن: «حماية حقوق المواطنين الكرد لا يمكن أن تقتصر على النصوص الدستورية فقط، بل يجب أن تُترجم إلى إجراءات عملية. فرغم أن الدستور السوري كان ينص على مبدأ المساواة بين المواطنين، فإن تطبيق هذا المبدأ ظل معطلاً لسنوات طويلة بسبب التمييز المستمر. ولذلك، لتحقيق المساواة الفعلية، يجب أن تبدأ الإصلاحات بمعالجة القضايا الأساسية، مثل قانون الجنسية لعام 1962. لأن إعادة الجنسية للمحرومين منها، هو تصحيح تاريخي لخطأ فادح ارتكب بحق المواطنين الكرد، وهو شرط أساسي لبناء مصالحة حقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري. من جانب آخر، لا يمكن تجاهل الحقوق الثقافية التي يجب أن تُترجم إلى سياسات عملية. في هذا السياق، يجب الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع تدريس المناهج بها في المدارس. كما يجب تسجيل الأسماء الكردية في السجلات المدنية دون عوائق، ودعم الأنشطة الثقافية والفنية الكردية. هذه الإجراءات، على بساطتها، تحمل دلالات عميقة من شأنها أن تساهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الكردي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الاعتراف المتبادل. علاوة على ذلك، يجب أن يعكس التمثيل الكردي في المؤسسات الحكومية المركزية والمحلية الواقع السكاني والاقتصادي للمناطق الكردية. وهذا يتطلب تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية، تهدف إلى تعويض سنوات التهميش الاقتصادي والاجتماعي. ويجب أن تكون عودة الدولة إلى هذه المناطق مصحوبة بتعزيز البنية التحتية وتوفير فرص العمل، مما يساهم في بناء تنمية شاملة تكون في صالح جميع المواطنين، بما في ذلك الكرد».

أما بالنسبة للمرسوم الرئاسي رقم 13، الذي رحب به الوفد الكردي، فيؤكد حسين ايضاً: «أنه خطوة مهمة نحو الاعتراف بحقوق الكرد. لكن، على الرغم من أهميته، لا يشكل المرسوم حلاً شاملاً للقضية الكردية. فهو يعترف بوجود قضية ثقافية ولغوية خاصة بالكرد، لكنه يظل نصاً عاماً يحتاج إلى تطبيق عملي من خلال تشريعات وقوانين تضمن تنفيذ هذه الحقوق على أرض الواقع. كما أن القضية الكردية ليست فقط قضية ثقافية، بل هي قضية سياسية أيضاً، تتعلق بمشاركة حقيقية في السلطة، وتوزيع عادل للثروات. من أجل تحقيق ذلك، لا بد من إرساء إدارة محلية لامركزية تضمن تمثيلاً عادلاً لجميع مكونات الشعب السوري، وخاصة الكرد».

يختم حسين بالقول: «مستقبل سوريا يعتمد على قدرتها في إدارة التنوع العرقي والديني بحكمة، وعدم محاولة تذويبه في بوتقة أحادية. فالوحدة الحقيقية لا تعني سحق الخصوصيات، بل إدارتها بشكل يعزز تماسك المجتمع، ويُعلي من قيم التسامح والمساواة. وبالتالي، فإن نجاح سوريا في هذه اللحظة التاريخية سيعتمد على قدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق جميع مكوناتها، ويحقق السلام القائم على العدالة والمساواة والمواطنة. وفي الإجابة على هذا السؤال، ستتحدد كيفية استجابة الحكومة السورية الانتقالية لمطالب المواطنين الكرد، ومدى التزامها بتنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق العدالة والمساواة لجميع مواطنيها».

سياسة جديدة تدعم الحقوق الثقافية واللغوية للكورد في سوريا وترسخ الوحدة والتنمية المستدامة

تحدث المستشار القانوني موسى موسى لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «اتفاق ٣٠ كانون الثاني بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية لم يكن الاتفاق الأول بينهما، وقد سبق ذلك اتفاق ١٠ آذار ٢٠٢٥، ثم اتفاق ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦، وكان آخرها الذي بدأ دخوله حيّز التنفيذ هو الاتفاق المشار إليه (٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦). وبغضّ النظر عن مضمون الاتفاق، كان من الطبيعي والمفهوم سيطرة الدولة على كامل أراضيها بعد هزيمة النظام السابق وتولي السيد أحمد الشرع رئاسة الدولة بموجب بيان إعلان انتصار الثورة في ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥ من إدارة العمليات العسكرية. كذلك، إلغاء العمل بدستور ٢٠١٢ وحل الجيش البائد، وحل جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية السياسية والمدنية، وتدمج في مؤسسات الدولة. وبدأ السيد الرئيس المكلف لقيادة المرحلة الانتقالية بإملاء الفراغ الدستوري، حيث أصدر في ١٣ آذار ٢٠٢٥ إعلانًا دستوريًا بمثابة دستور مؤقت للبلاد، حيث نص في مادته الأولى على أن:
(الجمهورية العربية السورية دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وهي وحدة جغرافية وسياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن أي جزء منها).
وفي مادته السابعة، نص الإعلان على أن:
(تلتزم الدولة بالحفاظ على وحدة الأرض السورية، وتجرّم دعوات التقسيم والانفصال، وطلب التدخل الأجنبي أو الاستقواء بالخارج).
وبدأ الرئيس بالقيام بمهامه التي تكفل تطبيق الإعلان الدستوري وخطاب النصر، من تعيين الوزراء وقادة الجيش والمراسيم لسير عمل الحكومة، وكان الوضع العسكري في شمال وشرق سوريا يتميز بخاصية جعله خارج الجغرافيا السياسية والعسكرية والإدارية للدولة الجديدة، مع تبعاته المؤلمة. مما استدعى ضرورة إيجاد حل يضمن وحدة البلاد والإدارة والجيش، فكانت جولات عدة بين الرئيس الشرع وقائد قسد برعاية وحضور المبعوث الأمريكي توم برّاك، توّجت أخيرًا باتفاقيتين لم تنفذا، إلى أن كان اتفاق ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٥ الذي بدأ تطبيقه الآن بعد معارك دموية ونزوح للأهالي من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وكذلك من مناطق دير حافر والمسكنة والرقة وشرق الفرات، مما تسبب في وضع إنساني لا يُحسد عليه. وفي هذا الصدد، لابد من قول الحقيقة، إنه لولا مساعدة مؤسسة البارزاني الخيرية بمئات الشاحنات من المواد الإغاثية، لكانت الكارثة وآثارها تمتد لسنوات طويلة. كما أن الدور الذي قام به الرئيس البرزاني وحكومة إقليم كردستان في تسهيل وتشجيع عملية الوصول إلى تفاهمات الضرورة بين الرئيس الشرع وقائد قسد، من خلال التواصل الدائم مع الأطراف المعنية والإقليمية والدولية، أنقذ منطقة شمال وشرق الفرات من كارثة حتمية. نحن خلال الأسبوع الأول من الاتفاق، نلمس شيئًا من الهدوء والطمأنينة في المنطقة، مع بعض الحذر من "انفجار مستبعد" للوضع. ورغم مرور أيام قليلة على الاتفاق، يبدو واضحًا أن هناك نية وعملًا جديًا للاندماج بأشكاله العسكرية والإدارية، مع وجود بعض حالات ومواقف التعنت التي، برأيي، ستزول بهدوء في إطار عقلاني وحكيم».

يتابع موسى: «إن سيطرة الدولة على كافة أراضيها تكون بمنأى عن دخول الأمن العام في دوائر ومؤسسات الدولة، وإنما في الأماكن والمراكز المخصصة لها. أما الدوائر والمؤسسات التي سيطرت عليها قوات قسد والإدارة الذاتية، فستندمج كليًا وتتبع للعاصمة، ولم يبق لقسد ما كان لها سابقًا. وستجري معاملات المواطنين بشكل رسمي كما في أي دولة من دول العالم، وكما كانت في سابق عهدها. وباعتبار أن سيادة الدولة لا تنقسم على مناطق جغرافية، فلا يكون هناك محاصصة لأقاليم أو محافظات أو مناطق بأشكال الحكم الذاتي أو المحلي. سيادة الدولة واحدة على كافة أراضيها ومؤسساتها، حسب التراتبية الإدارية من الوزارة المعنية إلى كافة مديرياتها في المحافظات والمناطق. ولا يخلو سير العمل الإداري من بعض الصعوبات، نتيجة عقد ونصف من الزمن من تعطيل المؤسسات والدوائر الحكومية، وتراكم معاملات المواطنين، أو عدم سيرها المطلوب، مما يتطلب العمل الجاد والحثيث لمواكبة العمل وإزالة الضرر اللاحق بالمواطن الذي عاش خارج سلطة الدولة والقانون».

يضيف موسى: «عندما نضع الأمور في نصابها، علينا أن نقول إن حل حزب البعث العربي الاشتراكي بموجب بيان إعلان انتصار الثورة السورية في ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥، لم يشمل الأحزاب السورية غير المرخصة. وباعتبار الأحزاب الكردية غير مرخصة، لكنها قائمة بحكم الواقع، فإن الرئيس الشرع وحكومة دمشق ينظران إلى هذا الواقع بعين الاعتبار كواقع سياسي مُعاش، إلى حين صدور قانون ينظم العمل السياسي والعمل الحزبي. وباعتبار الأحزاب الكردية، خاصة الأحزاب المؤتلفة في إطار المجلس الوطني الكردي، وما للمجلس من عمل نضالي معارض للنظام السوري السابق، وتمثيله لمكون سوري أصيل، ودوره الوطني والسياسي السلمي منذ عقود، ساعيًا إلى حل سلمي للقضايا الوطنية، ومنها قضية "الشعب الكردي" في سوريا، في هذا الظرف الذي يستدعي حوارًا وطنيًا شاملًا لبناء سوريا الجديدة، وحرصًا على مشاركة كافة مكونات الشعب السوري في الحوار، وتبادل الرؤى والشراكة في سوريا الجديدة، رأى الرئيس الشرع أنه من الضروري دعوة المجلس الوطني السوري لتبادل الآراء حول الكثير من القضايا الوطنية، خاصة قضية الشعب الكردي. ولا يمكننا أن نفهم الدعوة إلا في إطارها الوطني النقي، والممثل السياسي الحقيقي للشعب الكردي البعيد عن الإرهاب والاستقواء بالخارج».

يشير موسى: «إن السيد أحمد الشرع، رئيس الجمهورية، أصدر الجمعة الموافق 16/1/2026 مرسومًا بناءً على أحكام الإعلان الدستوري، وعلى مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، وعلى دور ومسؤولية الدولة في تعزيز الوحدة الوطنية وإقرار الحقوق الثقافية والمدنية لكافة المواطنين السوريين. عدّ فيه المواطنون السوريون الكرد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. كما رسم فيه التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم، وتطوير لغتهم الأم، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي. كما ألغى المرسوم العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء عام ١٩٦٢ في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لهم، بما فيهم مكتومو القيد. كما اعتبر المرسوم عيد النيروز (٢١ آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهورية، بصفته عيدًا وطنيًا يعبر عن الربيع والتآخي. إضافة إلى ذلك، التزم مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبني خطاب وطني جامع، وحظر المرسوم قانونًا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي.
ويعتبر المرسوم، من حيث الشكل، متوافقًا مع الإعلان الدستوري الصادر في ١٣ آذار ٢٠٢٥ في مواده:
أ- م/٧/ التي تكفل الدولة التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين.
ب- م/١٢/ التي تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وجميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقتها الجمهورية العربية السورية، كجزء لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري.
ج- م/٣٦/ التي تمنح رئيس الجمهورية سلطة إصدار اللوائح التنفيذية، والتنظيمية، ولوائح الضبط، والأوامر، والقرارات الرئاسية.
وبهذا، مارس الرئيس سلطاته الدستورية في غياب البرلمان، الذي لم يكتمل تأسيسه بعد.
ومن حيث المضمون: أولًا: من حيث المبدأ الدستوري:
لا خلاف على أن المادة 12 من الإعلان الدستوري جعلت الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها سوريا جزءًا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري، ومنها الحقوق الثقافية واللغوية المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالتالي، فإن الحق في اللغة والثقافة الكردية قائم أصلًا بمرتبة دستورية.
كما أن طبيعة المرسوم الرئاسي، بناءً على مضمون المرسوم 13، تلاحظ أنه نظم الحق في اللغة ضمن الإطار الدستوري. ورغم أن الأداة المستعملة هي «مرسوم رئاسي»، فإن طبيعته القانونية:
– ينظم حقًا مقرّرًا سلفًا في الإعلان الدستوري والمواثيق الدولية.
– يفعّل التزام الدولة بضمان هذا الحق.
– يضع الإطار التنفيذي لممارسة حق قائم، لا قاعدة أصلية منشئة له.
ويعتبر المرسوم الرئاسي المشار إليه مرسومًا تنظيميًا يُنظم حقًا لغويًا، وله أصل دستوري ودولي. وبناءً على ما ذكر، فإن المرحلة القادمة (مرحلة صياغة الدستور) ستضمن بعض أحكام الإعلان الدستوري، خاصة المادة 12 منه».

يختم موسى: «المرسوم الرئاسي رقم/13/ ينظم حقًا دستوريًا، صاغته العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي سبق لسوريا أن صدّقت عليها. وبعد تنظيمه في المرسوم الرئاسي وتنفيذه، سيكون سابقة تاريخية في سوريا بالنسبة للكورد، في ممارسة حقوقهم الثقافية واللغوية. وبذلك، يشعر المواطنون الكورد أن بداية حل القضايا الإنسانية والقومية انطلقت في طريقها إلى الحل الشامل، من خلال العمل السياسي السلمي، عبر المؤسسة التشريعية، قانونيًا ودستوريا. ورغم أنه لا يمثل حلاً شاملاً للقضية الكردية في سوريا، إلا أنه يمكن البناء عليه مستقبلا».

اتفاق 30 كانون الثاني يعزز استقرار سوريا ويؤسس لحوار وطني شامل

تحدث عضو هيئة السكرتاريا لاتحاد الطلبة والشباب الديمقراطي الكوردستاني-روزافا، أحمد حاجو، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «في لحظة سياسية دقيقة تمر بها سوريا، دخل اتفاق 30 كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية حيّز التنفيذ، حاملاً معه مؤشرات واضحة على توجه الدولة نحو إعادة تنظيم المشهد الإداري والأمني، وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية في مختلف المناطق. ويأتي هذا التطور في إطار مسار أوسع يهدف إلى تثبيت الاستقرار، وتوحيد المرجعيات، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مرحلة جديدة قائمة على الحوار والتفاهم».

يضيف حاجو: «إن أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده الإجرائية، بل في دلالاته السياسية التي تعكس رغبة متبادلة في تجنّب التصعيد، والبحث عن حلول مؤسساتية تضمن استمرارية الدولة ووحدة أراضيها. فانتشار قوات الأمن العام في المراكز والمؤسسات الحكومية يمثل خطوة عملية لإعادة تنظيم العمل الإداري، وضمان تقديم الخدمات للمواطنين ضمن إطار قانوني واضح، يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع».

يشير حاجو إلى أن: «استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني لوفد رئاسة المجلس الوطني الكردي، يحمل أبعاداً سياسية مهمة، إذ يؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب إشراك مختلف القوى الوطنية في صياغة مستقبل البلاد. كما يعكس هذا اللقاء إدراكاً رسمياً لأهمية الحوار السياسي مع المكونات الوطنية، وفي مقدمتها المكوّن الكردي، بوصفه شريكاً أساسياً في استقرار سوريا ووحدتها. وقد جاء تأكيد الدولة على ضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن إطار الدستور ليشكل رسالة طمأنة بأن مسار الحل لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يمتد ليشمل معالجة القضايا الحقوقية والثقافية، بما يعزز مفهوم المواطنة المتساوية، ويحفظ الخصوصيات الثقافية ضمن الهوية الوطنية الجامعة».

يؤكد حاجو أن: «المرسوم الرئاسي رقم /13/، كخطوة إيجابية باتجاه تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمواطنين الكرد، وهو ما انعكس في الترحيب الذي أبداه وفد المجلس الوطني الكردي. ويُنظر إلى هذا المرسوم كأرضية يمكن البناء عليها لتطوير سياسات أكثر شمولية، تعزز المشاركة وتكرّس مبدأ الشراكة الوطنية».

يختم حاجو: «إن المرحلة الحالية تضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة، عنوانها تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة، تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين. فنجاح أي اتفاق لا يقاس بنصوصه فقط، بل بقدرته على ترسيخ الاستقرار، وبناء الثقة، وتعزيز حضور الدولة كمظلة جامعة لكل مكوناتها. كما أن دخول اتفاق 30 كانون الثاني حيّز التنفيذ، مقروناً بالانفتاح السياسي والاعتراف المتزايد بالتعددية الثقافية، قد يشكل بداية مرحلة جديدة، قوامها الحوار، وسيادة القانون، والعمل المشترك لبناء دولة قادرة على استيعاب تنوعها، وتحويله إلى مصدر قوة واستقرار».