تمايز الثقافة الكوردية
عبدالغني سليمان
تعد الثقافة الكوردية من أبرز الثقافات التي استمرت في المحافظة على هويتها الفريدة رغم العوامل السياسية والاجتماعية التي فرضتها الإمبراطوريات المتعاقبة سواء كانت عربية أو تركية أو فارسية يشترك الكورد مع هذه الشعوب في العديد من القواسم الثقافية لكن هناك الكثير من الفروقات التي تدل على تمايزهم الثقافي والتي جعلت منهم شعبا منفردا يتنفس داخل هويته الخاصة به.
تتعدد عناصر التمايز في الثقافة الكردية بين اللغة والديانة والتقاليد الاجتماعية والفكر السياسي كما أن الكورد يتفردون في علاقتهم مع الديانة الإسلامية حيث لا تتوافق أكثر ممارساتهم الثقافية والدينية مع أيديولوجيات الإسلام المتشدد المنتشرة في بعض أجزاء العالم.
1- اللغة الكردية:
اللغة الكردية هي أحد أبرز معالم التمايز الثقافي بين الكورد والشعوب المجاورة الأخرى فهي تنتمي إلى الفرع الهندو-أوروبي من اللغات وتعتبر بذلك غير مرتبطة مباشرة باللغة العربية أو التركية أو الفارسية اللغة الكردية تشمل عدة لهجات رئيسية مثل السورانية والكرمانجية والزازائية واللرية وتستخدم الأبجدية اللاتينية في بعض المناطق والأبجدية العربية في مناطق أخرى.
إن استخدام الكورد للغتهم الأم في الحياة اليومية والتعليم والمناسبات الثقافية يعد مصدراً رئيسياً لتمييزهم عن الثقافات العربية والتركية والفارسية كما أن الأدب الكوردي الذي يمتد عبر تاريخ طويل يساهم في إبراز الهوية الكردية وتعزيزها سواء من خلال الشعر الكردي الذي تأثر بشخصيات تاريخية مثل "أحمد خاني" و "ملاي جزيري " وغيرهم من الأدباء والشعراء الكورد، أو من خلال الكتابات الفكرية التي تتناول موضوعات الهوية والحرية.
2- التعددية الدينية في الثقافة الكردية
تتسم الثقافة الكردية بتنوع ديني واسع حيث يشترك الكورد مع العرب والترك والفرس في كونهم غالبية مسلمة إلا أن هناك اختلافات كبيرة في الممارسات الدينية بين هذه الشعوب بينما يتبع معظم الكورد الدين الإسلامي هناك تنوع ديني مذهبي واسع داخل المجتمع الكردي. فبينما يعتبر الكورد في العراق وسوريا بشكل رئيسي من أهل السنة هناك أيضاً نسبة كبيرة من الكورد الشيعة وكذلك أعداد كبيرة من الكورد الإيزيديين فضلا عن وجود الكورد المسيحيين.
هذه التعددية الدينية تجعل من الثقافة الكردية أكثر تعقيدا وثراء مقارنة بالثقافات الأخرى في المنطقة التي غالبا ما تكون أحادية المذهب كما أن هذه التعددية تساهم في تعزيز روح التسامح الديني داخل المجتمع الكردي ومن هنا يمكن ملاحظة الفرق بين الكورد والشعوب المجاورة لهم التي غالبا ما تأثرت بممارسات دينية أحادية أو متشددة.
3. الهوية الاجتماعية والتقاليد الكردية
تتميز الثقافة الكردية بمجموعة من التقاليد والعادات التي تجعلها مختلفة عن العادات والتقاليد العربية والتركية والفارسية على سبيل المثال، يعتبر "نوروز" عيدا قوميّا للكورد يتم الاحتفال به في يوم 21 مارس من كل عام وهو مناسبة قومية وثقافية تعود جذورها إلى العصور القديمة يتسم هذا العيد بفعالياته الفلكلورية والاجتماعية التي تشمل الموسيقى والرقص والأطعمة التقليدية، ويعد رمزا للحرية والتجدد.
كما أن الأزياء الكردية التي تشمل الملابس المزخرفة والمصنوعة من الأقمشة التقليدية تبرز التمايز الواضح عن الأزياء العربية والتركية والفارسية ان هذه العادات والتقاليد تساهم في تعزيز الهوية الكوردية وتأكيد خصوصيتها الثقافية.
4. السياسة والفكر الكوردي في مواجهة الضغوط الإقليمية
تاريخيا كانت الثقافات الكوردية تحت ضغط مستمر من قبل الإمبراطوريات المتعاقبة مثل الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الفارسية، والدول الحديثة في المنطقة ومع ذلك وعلى الرغم من الضغوط السياسية ومحاولات الاندماج الثقافي استطاع الكورد الحفاظ على هويتهم الثقافية والسياسية ومن أبرز التجليات الحديثة لهذه الهوية السياسية كان تشكيل الإمارات و الكيانات الكوردية المستقلة أو شبه المستقلة في أيران و العراق وسوريا مثل جمهورية كوردستان في ايران وإقليم كوردستان العراق، وكذلك المشاركة الكوردية الفعالة في الحرب ضد داعش في سوريا والعراق.
كما أن الفكر الكوردي في مجمله يميل إلى العلمانية والحداثة حيث يعارض الكورد بشكل عام الأيديولوجيات الإسلامية المتشددة التي تروج لها بعض الجماعات المتطرفة فالحركات الكوردية السياسية والعسكرية تؤكد على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية وهي قيم تتعارض بشكل جوهري مع الفكر الإسلامي المتشدد.
5. العلاقة بين الكورد والأنظمة السياسية المجاورة:
الوجود الكردي داخل الدول العربية والتركية والفارسية لا يخلو من التوترات السياسية في تركيا على سبيل المثال يعاني الكورد من التمييز السياسي والثقافي حيث تسعى الدولة التركية إلى تهميش الهوية الكردية وفرض الثقافة التركية وفي العراق وسوريا رغم الاعتراف الرسمي بالهوية الكوردية إلا أن العلاقات بين الشعب الكوردي والدول المركزية تتسم بالتوتر المستمر بسبب الصراع على الاستقلال والحقوق السياسية.
أن الثقافة الكردية تتميز بعناصر متعددة تجعلها فريدة ومتميزة عن الثقافات العربية والتركية والفارسية هذه العناصر تشمل اللغة الكردية التعددية الدينية التقاليد الاجتماعية والفكر السياسي التي ساعدت الكورد في الحفاظ على هويتهم الثقافية رغم الضغوط المستمرة إن رفض الكورد للأيديولوجيات المتشددة وتأكيدهم على قيم التسامح الديمقراطية والحرية يجعلهم نموذجًا للعيش المشترك في المنطقة ويعكس تمايزهم عن ثقافات أخرى تؤثر فيها أيديولوجيات متطرفة.