كوردستان في كينونة الكوردي… والمنفى في جسده!

كوردستان في كينونة الكوردي… والمنفى في جسده!

روشن محمد بلي

على مرّ العقود، حمل الكوردي على أكتافه حلم الوجود، كما يحمل كل إنسان غريزة الانتماء والفطرية إلى أرضه ولغته وهويته. وكلما اضطر إلى النزوح والهجرة، لم تكن كوردستان في قلبه مجرد مكان غائب، بل كينونة متجذرة في كيانه وفكره، حملها قبل فلذة كبده، وهي تشكّل هويته وترافقه في خطواته، تجعل الغربة تجربة وجودية، والحنين فعلًا حياً، يثبت أن الوطن لا يقاس بالأرض التي نمشي عليها، بل بما يظل حياً في العقل، في الروح، وفي كل جيل يحمله إلى الأمام
ولم يكن هذا التعلق الوجودي بالوطن وليد الشعور وحده، بل تشكّل عبر تاريخ طويل من الصراع والاقتلاع القسري، حيث فُرض على الكوردي أن يحمل وطنه معه لأنه مُنع مراراً من العيش فيه

ومنذ بدايات القرن العشرين، ارتبط تاريخ الثورات الكوردية بمسار طويل من النزوح القسري والهجرة المستمرة. فمع انتفاضات الشيخ محمود الحفيد في جنوب كوردستان، وثورة الشيخ سعيد بيران في شمالها، وصولاً إلى ثورات بارزاني المتعاقبة، كانت كل محاولة كوردية لتثبيت الوجود على الأرض تواجه بالقمع والاقتلاع، مما دفع آلاف من العائلات الكوردية لعبور الحدود وجعل الهجرة جزءاً من التجربة اليومية للكوردي، لا حدثاً طارئاً.
ورغم هذا التاريخ الطويل من النزوح القسري والرحيل المتكرر على مرّ العقود، بقيت كوردستان متجذرة في العقل والمنطق، حيّة في الأحلام والأفكار، تشكل هوية الكوردي وتستمر عبر أجيال الشباب الذين يتعلمون أن الغربة لا تعني فقدان كينونة الوطن، بل هي تحد لحملها حيّة في كل خطوة يخطونها. وظل الكوردي منذ ولادته مغترباً في غير أرضه، محافظاً على لغته الأم وثقافته وتقاليده، شاهداً حيّاً على انتمائه للأرض وجذوره.
ولم يقتصر الأمر على صون الانتماء فحسب، بل كما هو متجذّر في التجربة الكوردية، كان الكوردي فاعلًا في كل مسار بنائي خاضه، مهما اشتدّ المنحدر. فقد أعاد توظيف تجربة الهجرة كمساحة لإعادة تشكيل الذات، وتعميق الوعي الثقافي والاجتماعي والتعليمي، عبر المبادرة والمشاركة المؤثرة، وصولًا إلى ترسيخ الثقافة الكوردية في المهجر، وصون اللغة والتراث بوصفهما مرتكزات أساسية لحماية الهوية وتعزيز الانتماء. وبهذا يحوّل الشباب الكورد الغربة والحنين إلى طاقة فعل حيّ، يعيد بها بناء ذاته، ويبقي الوطن حاضراً في الوعي والممارسة اليومية، مؤكداً أن كينونة الوطن أرسخ من أي حدود، وأقوى من أي مسافات.

ويكمن التأثير المستقبلي للشباب الكورد في صياغة واقع جديد لكوردستان، حيث يصبح الجيل القادم قوة فاعلة، ليس فقط في الداخل، بل في الشتات أيضاً. فكل مبادرة، وكل جهد جماعي، ما هو إلا امتداد للهوية الحيّة، تجعل الوطن حاضراً في الوعي والكينونة، وتظهر أثره على الأرض التي غُيّبت عنهم لسنوات. هنا يتحوّل الحنين والغربة إلى وقود للتمكين، والوعي الجماعي إلى أداة لإعادة الوطن إلى كيانه، ليصير كل فعل شبابي حجر أساس في بناء مجتمع متماسك ومستمر، يزهر بالإبداع، ويصمد أمام كل حدود ومسافات.