أيتام الجبال: سيرة الغياب الأول

أيتام الجبال: سيرة الغياب الأول

سيماف خالد محمد

تبدأ رواية «أيتام الجبال» للكاتبة نجاة عبد الصمد باقتباس لحنّا آرنت:
(إذا كانت هناك أيّة مراجعةٍ للماضي، فهي تكمن في إعادة سرد ما حدث)
لا يأتي هذا الاقتباس بوصفه عتبة شكلية، بل كمفتاح لفهم جوهر الرواية، فالماضي هنا لا يُستعاد كذكرى بعيدة، ولا يُروى بدافع الحنين، بل يعود بوصفه قوة حيّة تضغط على الحاضر وتعيد تشكيله.
الذاكرة في الرواية لا تُحكى لتُروَّض بل لتُسائل، ولا يُستدعى الماضي ليهدأ بل ليقول ما لم يُقَل في وقته.
بهذا المعنى تبدو «أيتام الجبال» رواية عن جرح لم يُغلق بعد، وعن حياة لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى بداياتها الأولى، حيث وُلد الشعور بالنقص، وتكوّن الصمت، وبدأت الغربة قبل أن يكون لها اسم.
تفتتح الرواية بمشهد الطائرة التي تقلّ سبيل من دمشق إلى الاتحاد السوفيتي، هذا المشهد لا يعلن بداية جديدة بقدر ما يفتح باب الذاكرة، في لحظة التعليق بين الأرض والسماء، تتبدّد ملامح المدينة، وتتكدّس المشاعر المؤجّلة:
(أنني أطير، مشلوحة بين الغيوم، وملامح دمشق تغيم، تتبدّد أفارقها مختارة، وعليها في صدري عتب لم تحمّلني ذكرى عناق أب أو أمّ)
السفر لم يكن خلاصاً بل اعترافاً متأخراً بنقص الانتماء، الغربة كانت أقدم من الرحيل هي سبقت الحدود والجغرافيا ولم يحتج الفقد إلى الرحيل كي يُرى.
لم تقدم الرواية مشهد خلع الحجاب لحظة ركوب الطائرة كفعل ديني بل كفعل نفسي خالص، الحجاب فُرض من الأب، ونزعه لم يكن تمرّداً بقدر ما كان تنفساً.
ما فُرض على الجسد قبل أن يُسأل القلب تحوّل إلى قيد، وحين نزعته سبيل، كانت تستعيد جسدها بوصفه ملكاً لها، بهذه المقاربة تبتعد الرواية عن الشعارات وتقترب من التجربة الحقيقية للنساء.
بداية المنفى
لا تُقرأ «أيتام الجبال» بوصفها حكاية سفر أو سيرة نجاح تُتوَّج بالخروج إلى العالم، بل كنصّ يعود إلى ما يسبق ذلك كلّه: الطفولة، العلاقات الأولى وإلى المساحات الصامتة التي تتشكّل داخل البيت.
الرواية لا تلاحق لحظة الرحيل، بل تتوقّف عند النقطة التي بدأ فيها الإحساس بعدم الاكتمال، المنفى هنا لا تصنعه الجغرافيا، بل ينشأ في المكان الأكثر قرباً في بيتٍ يؤمّن العيش لكنه يعجز عن الاحتواء، من هناك تبدأ الغربة الأولى، وترافق الإنسان أينما ذهب، لا بوصفها ذكرى بل كحالة داخلية ثابتة.
طفولة على الهامش
تنشأ سبيل في بيتٍ فقير في قرية درب الحجل، غير أن الفقر في الرواية لا يُختزل في ضيق العيش أو قلّة الموارد، بل يُقدَّم بوصفه سياقاً يُعيد ترتيب الطفولة، ويجبرها على أن تنضج قبل أوانها.
تعمل البنات يحملن ما لا يُفترض أن تحمله أيديهن الصغيرة، ويشاركن في بناء البيت، بينما تُسحب منهن بهدوء أبسط حقوق الطفولة.
الجرح الأعمق لا يتكوّن من التعب الجسدي، بل الفراغ العاطفي سبيل لم تعرف الجوع بالمعنى المباشر، لكنها كبرت وهي جائعة إلى الحب، الحنان إلى أن تُعامَل كطفلة لا كعبء، منذ طفولتها تشعر أنها غير مرئية، لا لأن أحداً قال ذلك صراحة بل لأن العاطفة لم تُمنح لها كما مُنحت لغيرها.
تُكرّس الأم هذا الشعور عبر المقارنة الجسدية بينها وبين أخواتها تشبه سبيل بالبقرة لأنها أكثر امتلاءً من أخواتها، هذا التشبيه لا يمرُّ ككلمة عابرة، بل يستقر كصورة جارحة في وعي طفلة لا تملك أدوات الدفاع عن نفسها ومع الزمن، تتحوّل هذه الصورة إلى جزء من نظرتها لذاتها.
حتى التفاصيل التي يفترض أن تكون بسيطة كالثياب، تصبح مصدراً إضافياً للإحساس بالنقص. لا شيء يُفصَّل من أجل سبيل حقاً، ولا شيء يُقدَّم لها بوصفها أولوية لذلك يغدو الفستان الذي تخيطه خالتها لها حدثاً استثنائياً، لأنه المرّة الأولى التي تشعر فيها بأن شيئاً ما صُنع ليلائمها هي.
التعلّم بوصفه تعويضاً
في المدرسة تظهر سبيل منذ البداية بوصفها غير مرئية، تدخل الصف الأول مستمعة لا طالبة، بلا تسجيل رسمي ولا كتب تقول لاحقاً:
(سأظلّ أفتقد لغياب أولى حلقات السلسلة… البدايات النظامية)
هذا النقص لا يزول مع الوقت بل يتراكم ليصنع شعوراً دائماً بالاختلاف، وكأن الذات بدأت حياتها من منتصف الطريق، من هنا لا يصبح التعليم مساراً طبيعياً، بل محاولة مستمرة لتعويض ما لم يُمنح في البداية.
تطرح الرواية عبر هذه التجربة سؤالاً يتجاوز سيرة سبيل: كم منّا عاش حياته كلها وهو يحاول ترميم بداية ناقصة؟
في رواية «أيتام الجبال» لم يكن سمة شخصية، بل نتيجة مباشرة لظروف قاسية، سبيل لا تخجل لأنها تبيع الخضروات، بل لأنها مضطرة إلى ذلك كي تواصل دراستها.
حين تمرّ إحدى معلماتها في السوق تنكمش وتتخفّى، كأنها تريد أن تختفي من المشهد كله، لا لأنها ارتكبت خطأ، بل لأن المجتمع علّمها أن الفقر أمرٌ ينبغي إخفاؤه لا مواجهته.
حتى القراءة التي تشكّل ملاذها الوحيد، تمارسها في الخفاء الكتب تُخبّأ تحت الوسادة لأن المعرفة هنا لا تُعامَل بوصفها حقاً بديهياً بل مغامرة صامتة، تزداد خطورتها حين تكون المعرفة لفتاة.
يُتمٌ مؤجَّل
(يتيمتان نحن، ولم يمت والدانا)
بهذه الجملة المكثّفة تكشف الرواية معنى اليُتم بوصفه حالة شعورية لا حادثة بيولوجية، فاليُتم هنا لا يرتبط بالموت بل بغياب الاحتواء، وبالفراغ العاطفي الذي يتشكّل في حضور الأبوين لا في غيابهما.
الأب في «أيتام الجبال» لا يُقدَّم جلاداً ولا مصدر أمان كاملًا إنّه يقف في منطقة وسطى ومعلّقة حاضر في المنع، عاجز عن التعبير، ومتردّد في منح الطمأنينة، تخشاه بناته لكنهنّ في اللحظات الحرجة لا يجدن سواه، فيتحوّل الخوف منه إلى حاجة.
هذا التناقض يرافق سبيل طويلاً شعورها الدائم بأنها لم تنل رضا الأب بما يكفي يصبح قوة خفيّة تدفعها إلى التفوّق، لا بوصفه إنجازاً بل كمحاولة مستمرة لانتزاع اعتراف مؤجَّل، النجاح لا يطفئ القلق بل يضاعفه، لأن ما كان ناقصاً في الطفولة لا يُعوَّض بسهولة في الكبر.
بهذا المعنى تتحدّث الرواية عن أب محكوم بثقافة تخاف العاطفة وتخشى إظهارها، أب يحمي بالصمت، ويمنع باسم الخوف، ويؤجّل الاحتواء حتى يتحوّل اليُتم إلى حالة مستقرّة.
أحد أكثر مشاهد الرواية وجعاً تمنًي سبيل أن يرمي الأب الأغراض التي يحملها عند عودته، وأن يأتي فارغ اليدين ليحتضنها فقط، هي لا تطلب فاكهة ولا هدايا، بل حضوراً خالصاً، هذا التمنّي الطفولي يكشف جوهر الفقد: الحاجة إلى العاطفة لا إلى العطاء المادّي.
رضا الأب لا يأتي إلا متأخّراً في رسالة يعبّر فيها عن انتظاره لعودتها، هو شفاء غير مكتمل، لكنه اعتراف أخير بأن حلمها لم يكن خطأ وبأن الطريق الذي سلكته وحيدة كان يستحق أن يُرى.
هكذا يتحوّل الاعتذار المؤجَّل إلى لحظة إنسانية ملتبسة: لا تمحو ما سبقها، لكنها تمنحه معنى وتترك أثرها العميق في الذاكرة.
الكرامة حين تأتي متأخرة
حين تصل سبيل إلى الاتحاد السوفيتي لا تبدأ الغربة بل تتغيّر ملامحها، الغربة الخارجية لا تلغي ما سبقها، بل تعيد تنشيط الغربة الداخلية تفقد الأم آخر ما تبقّى منها "الرائحة".
(رائحتكِ كانت آخر ما ضاع مني)
أما الأب فيظل حاضراً كثقل معنوي وبين فقدان الاحتواء والخوف من عدم الرضا، يتّضح أن النجاح الأكاديمي وحده لا يكفي لترميم الجراح الأولى، ولا يمنح الطمأنينة التي حُرمت منها في بداياتها.
من أكثر المشاهد دلالة لحظة تسلّمها لباس المنحة: معطف وحذاء شتوي مشهد بسيط في ظاهره، لكنه إعلان متأخر عن الكرامة لم تكن تمشي حافية، لكنها للمرة الأولى ترتدي حذاءً يحمي قدميها من البرد، البوط هنا ليس مجرد لباس بل رمز لطفولة تعلّمت التحمّل بدل الراحة وانتظرت طويلاً ما يشبه العناية.

الحب: أن يراك أحد أخيراً
في علاقتها بتميم تُحَبّ سبيل للمرة الأولى بوصفها إنسانة مرئية يُرى قلبها قبل جسدها وحياتها قبل شكلها، الحب هنا لا يُقدَّم كرومانسية مكتملة أو وعدٍ بالخلاص، بل كلحظة اعتراف إنساني خطِرة بقدر ما هي ضرورية.
أخطر أنواع الحب هو ذاك الذي يأتي بعد حرمان طويل، لأنه لا يبدأ من الاكتفاء، بل من حاجة عميقة لأن يراك أحد، ومع تميم تختبر سبيل هذا الشعور للمرة الأولى: أن تكون مرئية، لا بوصفها جسداً أو دوراً، بل كحياة كاملة.
اللغة: صوت الذاكرة
في الرواية، لا نقرأ حكاية تُروى عن سبيل بل نصاً يتشكّل من داخلها اللغة واضحة ومباشرة، لا تميل إلى التعقيد ولا إلى الزخرفة، وكأنها تختار الشفافية بدل البلاغة.
هذه البساطة ليست نقصاً بل شكل من أشكال الصدق، إذ لا تسعى الرواية إلى إقناع القارئ بقدر ما تحاول قول ما تأخّر قوله، بلغة أقرب إلى الاعتراف منها إلى السرد التقليدي.

نحن وأيتام الجبال
قوة هذه الرواية أنها لا تبقى حبيسة سيرة بطلتها، بل تتجاوزها لتضع القارئ أمام مرآة مؤلمة: مرآة البدايات الناقصة، والاعتراف المؤجَّل، واليُتم العاطفي الذي لا يُرى.
«أيتام الجبال» ليست رواية عن مكان محدد، بل عن بشر كثر عاشوا في بيوت آوتهم جسداً ولم تحتوهم روحاً.
إنها رواية تقول بهدوء قاسٍ إن الغربة لا تبدأ عند الحدود ولا تُصنع بالسفر، بل تولد في اللحظة التي نشعر فيها بأننا مرئيون بما يكفي داخل بيوتنا الأولى.