الاضطرابات الإقليمية والدولية في بداية العام، سيناريوهات التّصعيد وتحديات الاستقرار في سوريا والمنطقة

الاضطرابات الإقليمية والدولية في بداية العام، سيناريوهات التّصعيد وتحديات الاستقرار في سوريا والمنطقة

عزالدين ملا

مع بداية العام الجديد، تتجه الأوضاع في المنطقة نحو تصعيد غير مسبوق، حيث تشتعل الاحتجاجات في إيران، خاصة في العاصمة طهران، في ظل تصاعد التوترات الداخلية. وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة عمليات عسكرية جوية تنفذها الولايات المتحدة الأمريكية على مواقع عسكرية في فنزويلا، واعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي. وفي الجانب الآخر، تتصاعد العمليات العسكرية التي تنفذها الحكومة اليمنية بمساندة السعودية ضد حكومة المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت وطردها، في سياق يهدد أمن المنطقة واستقرارها. كل هذه الأحداث تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على سوريا، التي تسعى حالياً إلى الإسراع في تنفيذ اتفاقية 10 آذار بين الإدارة السورية وقوات قسد، بهدف تجنّب أي تصعيد محتمل والحفاظ على استقرار البلاد.

-كيف يمكن أن تؤثر الأحداث في إيران على الاستقرار الإقليمي، لا سيما في سوريا؟
-ما تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية في فنزويلا على السياسة الدولية والمنطقة العربية؟
-كيف يمكن أن تؤثر الأحداث في اليمن، خاصة الصراعات بين الحكومة والانتقالي، على الوضع في سوريا؟
-ما أهمية تطبيق اتفاقية 10 آذار بين الحكومة السورية وقسد في ظل التصعيد الإقليمي؟
-كيف يمكن للدول المعنية أن تساهم في تهدئة التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة بشكل عام؟

تحديات الأوضاع الإقليمية والدولية وتأثيراتها على المنطقة وسوريا

تحدث المستشار الإعلامي للرئيس مسعود البارزاني، كفاح محمود، لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «منطقة الشرق الأوسط عموماً، ليست إيران لوحدها، أو سوريا لوحدها، أو العراق، بل عبارة عن منظومة سياسية تتكون من مجموعة دول وأنظمة تتعلق مع بعضها بشراكات كثيرة، خاصة في الجانب الاقتصادي، والأمني، والعسكري. ورأينا ما حدث، مثلاً، في دفاعات داعش في سوريا وفي العراق، وكيف أثّر ذلك على الوضع العام في الشرق الأوسط. ولذلك، أعتقد أن الأحداث في إيران، سواء كانت سلباً أو إيجاباً، ستؤثر كثيراً على استقبال الخميني، ليس فقط في سوريا، وإنما في العراق أيضاً، وفي لبنان، وفي اليمن. هناك مصالح غاية في الخطورة للإيرانيين في دول الإقليم عموماً، أي في سوريا، ولبنان، والعراق، وحتى في الخليج. هذه المصالح ستتأثر بحدوث أي تداخل جراحي في إيران، أو تغيّر سياسي في هوية الدولة الجديدة، وهوية النظام الجديد. ولهذا، نعتقد أن مصلحة الجميع تقتضي ألا تحدث أحداث حادة، كما حصلت في كثير من الدول، أحداث تؤثر اجتماعياً وسياسياً. تأثير أي تغيير في إيران سيكون وقعه كبيراً على العراق، وسوريا، وبالتأكيد على لبنان أيضاً، لأن مصالح الدولة والنظام الإيرانيين خطيرة ومهمة جداً في سوريا، وفي العراق، وفي بقية دول الإقليم.»

ويعتقد محمود: «إن ما حصل في فنزويلا هو حدث جلل، ربما يتقاطع مع القانون الدولي، وربما يتقاطع مع القوانين والعهود المتفق عليها ضمن قوانين الأمم المتحدة، منذ عصبة الأمم وحتى يومنا هذا. لكن، أعتقد أن هناك صراعاً واضحاً جداً، خاصة أن نظام القطبين السابق لم يثبت نجاحه، بل فشل. تُرى، هل سينجح نظام القطب الواحد، الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية؟ وإذا أردنا أن نحصر مدى تأثير ما حدث على المنطقة العربية، وعلى إيران، وعلى العديد من الدول، فسيؤثر بالتأكيد. والخشية في إيران، وفي كثير من الدول، أن تتكرر عملية كراكاس في مناطق أخرى.»

كما يعتقد محمود أيضاً: «إن الوضع في سوريا لا يرتقي إلى مستوى ما يحدث في اليمن. في اليمن، هناك مأساة، وهناك صراع عقائدي، وصراع مناطقي، وصراع قبلي، وصراع إقليمي. أذرع عديدة متورطة في هذا الصراع داخل اليمن. في سوريا، ربما يختلف الوضع إلى حد ما؛ هناك تأملات كثيرة حول مباحثات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة السورية الجديدة، وأيضاً ربما غير معلنة، هناك مباحثات بين ممثلي الدروز والإدارة السورية الجديدة. هذا التوجه ربما ينحصر في تيار معين في سوريا، وهذا التيار غير واضح المعالم حتى الآن، ويؤثر باتجاه عدم انحدار هذه الفعاليات إلى تيارات حادة، بمعنى أن هناك إصراراً من قسد، ومن تيار الدروز، وحتى من العلويين، على عدم انحدار هذه الصراعات إلى صراعات دموية، وأن يتم التوصل إلى حل بين هذه الأطراف والحكومة المركزية في دمشق. أعتقد أن اللا مركزية، بأي شكل من الأشكال، هي الحل الأمثل في المرحلة الراهنة لوضع مكونات سوريا.»

ويؤكد محمود: «إن ما يحدث في اليمن، وكما قلت، أن منظومة الشرق الأوسط تتأثر ببعضها، وما يحدث في اليمن سيؤثر على الوضع في سوريا، وما يحدث في العراق سيؤثر على سوريا، وأيضاً على لبنان، وأيضاً ما يحدث في إيران سيؤثر على مجمل هذه الدول.»

ويضيف محمود: «أنه حتى الآن، في ما يتعلق باتفاقية العاشر من آذار، هناك صراع بين التيارات. التيار الذي يختار الخيار السلمي في حل إشكاليات النظام السوري الجديد، وبين تيارات أكثر تطرفاً، سواء كانت عروبية تنحى أو تقترب من الاتجاه العنصري، أو تيارات متشددة دينياً غير عروبية، أو تياراً آخر يجمع بين التشدد القومي والتشدد الديني. إلى أين سيصل هذا الصراع؟ ذلك يتوقف على مدى تأثير الولايات المتحدة الأمريكية في علاقتها مع التيار المرن، الذي تقوده، حسب قول الولايات المتحدة، السيد أحمد الشرع.»

ويشير محمود: «إلى أن الولايات المتحدة تتمنى تطبيق اتفاقية العاشر من آذار بين الحكومة السورية الجديدة، و«قسد»، لكن هذا التصعيد في المنطقة ربما يؤخر إلى حد ما تطبيق هذه الاتفاقية، خاصة أن الاجتماعات الأخيرة التي حصلت بين الحكومة السورية الجديدة و«قسد»، لم تثمر عن نتائج تُطمئن الشارع. الطرفان أكدا أن لغة الحوار ستستمر، دون الذهاب إلى صراعات. لكن، ما حصل من خروقات، خاصة ما حدث في حلب، يحمل مؤشرات خطيرة جداً على احتمال اشتعال الجبهات، وهو ما سيدفع الشعب السوري، بكل مكوناته، إلى تحمل فاتورته.»

ويختم محمود: «هناك مفاتيح تمتلكها إيران، وتمتلكها تركيا، وتمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الدول الثلاث، للأسف الشديد، حتى اليوم، باستثناء الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يركز على الحفاظ أولاً على السيادة السورية، والعمل على منح كل المكونات حقوقها بالشكل الذي يختاره الشعب السوري، فإن الدولتين الأخريين، إيران وتركيا، لم يثبُتا بعد دورهما الإيجابي في الملف السوري. تركيا تتجه نحو التطرف في ما يخص قسد، وربما تكون مسؤولة عن تأخير تطبيق اتفاقية العاشر من آذار، وتطبيق نظام اللامركزية. أما الإيرانيون، فهم معروفون بأنهم وجهت لهم ضربات قاسية، بعد إسقاط نظام الأسد، وخسارتهم لمواقع متقدمة في الجبهة السورية، هم وبقية الفصائل والمليشيات المسلحة، سواء العراقية، اليمنية، أو اللبنانية، التي تورطت في الشأن السوري، وكان لها دور كارثي اجتماعياً وسياسياً في سوريا. وأعتقد أن الفترة القادمة ستشهد ضغطاً من الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه تقوية التيار المرن، وتعزيز علاقتها مع «قسد»، بهدف تحقيق استقلالية «قسد»، وتمثيلها الكردي الوطني السوري، وإثبات أنها لا علاقة لها بأحزاب خارج سوريا، وهو ما يثير قلق تركيا، وربما يثير نوعاً من التحسس لدى الأطراف الأخرى.»

التغيرات العالمية والإقليمية وتأثيرها على سوريا والمنطقة

تحدث عضو المكتب السياسي للحزب الشعب الكردستاني، الدكتور منيب الأحمد، لصحيفة «كوردستان»، قائلًا: «يشهد العالم في الآونة الأخيرة أحداثًا مفاجئة ومتسارعة، بعيدة جدًا عن توقعات المحللين فيما يخص ما يحدث في بلد أو آخر. فتصريح واحد من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، والذي يراه البعض طرفة أو مزحة، يتحول إلى واقع ويقلب الأوضاع في بلد مثل فنزويلا إلى وضع مختلف تمامًا. وهكذا، يمكن أن يحدث سيناريو مماثل في أي بلد يهدد أمن واستقرار أمريكا أو أي بلد متحالف معها».

يضيف الأحمد: «اليوم، لم تعد الحاجة إلى عقد جلسة لمجلس الأمن وانتظار ما يقوله مندوب كل دولة من الدول الدائمة العضوية، التي كانت تملك حق الفيتو لأي قرار أممي لا يتوافق مع مصالحها، ضرورية. خاصة روسيا والصين، اللتين استخدمتا حق الفيتو سابقًا ضد قرارات تدين جرائم النظام السوري، بحجة أن الحكومة شرعية ومنتخبة، على الرغم من أن العالم يعلم أن آل الأسد حكموا سوريا بانقلاب، وأن سوريا شعبًا وأرضًا أصبحت رهينة للحديد والنار، مما أدى إلى تخلف سوريا عن ركب الحضارة. كل ذلك من جراء دعم روسيا للنظام الأسدي المخابراتي والاستبدادي عبر أوراق الأمم المتحدة، ودعم إيران بشكل مباشر من خلال أذرعها، مثل حزب الله والفصائل المرتبطة، والتي كانت وما زالت تدعم النظام السوري المجرم. كذلك، تواصل إيران دعم حزب الله في جنوب لبنان، وتعرقل تسليم السلاح وتحويله إلى مكون سياسي غير مسلح.
وفي اليمن، زادت الأزمة تأزيمًا، مع دعم الحوثيين وعرقلة أي عملية سياسية تؤدي إلى تسوية شاملة. أما في سوريا، فلا يُستبعد أن تسعى قوى لدعم بقايا النظام البائد لإحداث قلاقل أمنية، بهدف إضعاف الدولة السورية، كحليف جديد ضد داعش، يسعى لإعادة تموضعه من محور المقاومة إلى المحور الغربي الأمريكي.
وفيما يخص التداعيات الدولية والعربية على العملية العسكرية في فنزويلا، فهي تثير تساؤلات حول سيادة الدول، قواعد السلم والأمن الدوليين، وتزيد التوتر بين الدول التي تلتزم بالقانون الدولي، وتلك التي تسعى للهيمنة.
العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا تعزز قلق الدول المعارضة للتدخل الأمريكي، مثل الصين، روسيا، وإيران، وتدفعها لتعزيز نفوذها ودعم دول أخرى قد تكون هدفًا للتدخل. كما تشجع على تشكيل جهات معارضة للسياسات الأمريكية. وما قامت به أمريكا يظهر استعدادها لاستخدام القوة، مما يدفع حلفاء فنزويلا للاستثمار أكثر في القدرات الدفاعية، ويشعل صراعًا جيوسياسيا حول الموارد الطبيعية».

يتابع الأحمد: «ان هذه العملية أثارت مخاوف الدول العربية من أن يكون التدخل في فنزويلا سابقة يمكن تطبيقها في مناطق أخرى، خاصة مع وجود صراعات إقليمية مثل سوريا واليمن، ودول معارضة للنفوذ الغربي، قد تدفع تلك الأحداث الدول العربية لإعادة تقييم علاقاتها مع القوى الدولية، وتعزيز التحالفات مع قوى غير غربية، مثل الصين وروسيا، للحماية من التدخلات المحتملة.
كما تسلط العملية الضوء على أهمية الموارد الطبيعية، ما يزيد من مخاوف الدول العربية حول مصير مواردها النفطية، في ظل الضغوط الدولية المحتملة. التوتر العالمي الناتج عن التدخل العسكري الأمريكي قد يؤثر على أسواق الطاقة، ويشكل ضغطًا على الدول المصدرة للنفط، ويضر بالاقتصاد العالمي بشكل عام.
أما الأوضاع في فنزويلا، فقد أثارت مخاوف لدى دول مثل كوبا وكولومبيا، من أن تكون الهدف التالي للتدخل الأمريكي.
وفيما يخص الأحداث في اليمن، وتأثيراتها على سوريا، فإن الصراع اليمني يغير من أولويات القوى الإقليمية، مثل السعودية والإمارات، مما يؤثر على مواقفها تجاه سوريا. فإذا أبدت السعودية اهتمامًا أكبر باليمن، قد يقل تركزها على سوريا، والعكس صحيح، مما يفتح أو يغلق مسارات للحوار والتفاوض في سوريا».

يشير الأحمد: «انه وفي في ظل هذه الأحداث العالمية والإقليمية، وبعد مرور أكثر من سنة على سقوط النظام البائد في سوريا، يتوجب على الأطراف السورية العمل بجد لتنفيذ اتفاقية العاشر من آذار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، لتجنب أي صراع داخلي، ولتتفرغ قوى الأمن والجيش، المنبثقة عن الاتفاق، لحماية الأرض والشعب، وتحقيق الأمن والاستقرار، والتكاتف لإبعاد خطر داعش والإرهاب عن سوريا. كما يجب حماية حدود البلاد من أي تدخل يهدد استقرارها.

ويجب على المؤسسة العسكرية والأمنية ممارسة مهامها، وعدم التدخل في الشأن السياسي، وترك المجال للقوى السياسية، مع ضرورة إشراك جميع المكونات لبناء سوريا جديدة، تتوافق على دستور عصري، ودولة تلبّي مطالب جميع السوريين».

يختم الأحمد: «ان سوريا تتأثر بشكل كبير بالمتغيرات العالمية والإقليمية. فإذا استمرت الاحتجاجات في إيران وأسقطت النظام الإيراني، ستكون أسباب الاستقرار في سوريا أكثر قربًا. فإيران لا تزال تدعم فلول النظام السابق، وتسعى للحفاظ على حزب الله بالسلاح، وتدعم الحوثيين في اليمن، رغم أن ذلك قد يضر بمصالحها على المدى البعيد.
بشكل عام، الإرهاب والاستبداد والأنظمة الديكتاتورية لم يعد لها مكان في العالم، والجميع متفق على ضرورة إنهائها، والتوجه نحو عالم أكثر استقرارًا وعدلاً».

التحديات الراهنة في المنطقة، آفاق الحلول والاستقرار

تحدث رئيس محلية دمشق للمجلس الوطني الكردي في سوريا، لقمان أوسو، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «إن التطورات الداخلية في إيران تؤثر بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي في سوريا من خلال عدة آليات رئيسية، حيث أن انشغال إيران بالأحداث الداخلية قد يحد من قدراتها ومواردها المخصصة للتدخل بشكل فعال ومتزامن في الملفين السوري والكردي، مما قد يخل بتوازن القوى الذي فرضته طوال السنوات الماضية. وعلى الرغم من الحديث عن انسحاب إيران من سوريا، إلا أنها تظل لاعبًا مؤثرًا من خلال شبكة الموالين، وكان يمكن أن تستمر في التأثير لولا انشغالها بالداخل، مما أدى إلى تراجع دورها المباشر في سوريا.
كما أن ابتعاد إيران عن الساحة السورية وانشغالها بذاتها يفتح الباب أمام حلول لمجموعة من الملفات الإقليمية الساخنة، وأهمها القضية الكردية. حيث أن عدم التوصل إلى حل عادل وشامل لهذه القضية يبقي المنطقة على صفيح ساخن قابل للانفجار، وسوريا تعد من أبرز ساحات هذا الصراع. وعلى صعيد آخر، تحولت سوريا إلى ساحة لنزاع مصالح دولية وإقليمية متشابكة، وتراجع دور أي طرف يسهم في استقرار المنطقة وسوريا يتطلب توافقات دولية شاملة، وليس مجرد تراجع دور لاعب إقليمي مثل إيران. وبينما قد تؤدي الأحداث في إيران إلى تعديل مستوى وكثافة تدخلها المباشر، فإن استقرار سوريا مرهون بحلول شاملة لأزمات المنطقة الجوهرية».

يتابع أوسو: «إلى أن تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية على فنزويلا على السياسة الدولية تتضمن تآكل مبدأ السيادة والشرعية الدولية، حيث أن التدخل العسكري الفردي من قبل دولة واحدة يهدد النظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة، ويؤدي إلى الانزلاق نحو حروب كارثية. كما يضعف هيبة مجلس الأمن والقانون الدولي، إذ يظهر التناقض بين موقف الولايات المتحدة في فنزويلا وتدخلاتها المبررة بمصالحها في حالات أخرى، مثل سوريا، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي.
ويؤدي ذلك إلى فتح الباب للفوضى والقرصنة الدولية، حيث قد يشكل هذا العمل سابقة خطيرة تدفع قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، ودول إقليمية، إلى التدخل العسكري الأحادي باسم حماية أمنها القومي، مما يهدد الأمن والسلم العالميين ويزيد من التنافس الجيوسياسي. كما أن هذا يكرس سياسة المعايير المزدوجة، إذ يُعطي الفعل الأمريكي في مقابل عدم تحركه في مناطق أخرى، مثل سوريا، انطباعًا بأن التدخلات الدولية تحكمها المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، وليس المبادئ الثابتة لحماية حقوق الإنسان أو القانون الدولي.
أما على مستوى المنطقة العربية، فهذه السياسات تعزز من منطق الهيمنة والتدخل الخارجي، حيث يُشعر ذلك الشعوب العربية بأن القوى الكبرى تتدخل في شؤون دولها وفقًا لمصالحها، متجاهلة إرادة الشعوب، مما يزيد من حالة الرفض والقلق. ويؤدي ذلك أيضًا إلى زعزعة الثقة في العلاقات الدولية، حيث قد تدفع تلك السياسات بعض الدول إلى تسريع تنويع تحالفاتها والابتعاد عن الاعتماد الكلي على الحماية الأمريكية، الأمر الذي يضعف ثقة الشعوب في الحلول الدولية، ويظهر أن آليات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عجزت عن معالجة الأزمات بشكل عادل ومتسق، مما يفاقم من إحباط الشعوب ويقوي نزعات البحث عن حلول ذاتية أو إقليمية، وأحيانًا متطرفة كرد فعل على تلك السياسات».

يعتقد أوسو: «إن الحل الأنسب لمعالجة مثل هذه الأزمات ومنع الفوضى الدولية يكمن في إصلاح منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليكونا أكثر تمثيلًا وعدالة، والالتزام بالتدخل الجماعي فقط وبناءً على قرارات من مجلس الأمن عند ثبوت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي من قبل أنظمة مستبدة، وضمان أن يكون أي تدخل دولي متسقًا وعالميًا وليس انتقائيًا، بهدف تحقيق الشرعية وحماية الشعوب. إن النهج الجماعي القائم على القواعد هو الضامن الوحيد لتجنب الفوضى ومحاسبة الأنظمة المستبدة بشكل عادل، مع الحفاظ على الاستقرار الدولي وتأمين حق الشعوب في تقرير مصيرها».

يشير أوسو: «أن التطورات في اليمن، بما فيها التوترات بين الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي، لها تأثيرات مباشرة على الوضع في سوريا من خلال عدة جوانب مترابطة، تعكس طبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية في المنطقة، حيث أن استمرار الصراع في اليمن وتعقيد العلاقة بين الحكومة والانتقالي قد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية مثل السعودية، الإمارات، وإيران. وإذا حولت هذه الدول أو تحالفاتها تركيزها بسبب التطورات اليمنية، فإن ذلك سينعكس على دعمها للأطراف في سوريا، سواء عبر زيادة أو تقليل الدعم العسكري والسياسي.
ويعتبر الصراع في اليمن مشابهًا للصراع في سوريا من حيث تعقيد الأطراف وتدخل القوى الخارجية، فكلا البلدين يعاني من قضايا عميقة مثل مطالب جنوب اليمن، والحقوق الكردية، والمكونات الأخرى، وتؤثر الحلول المطروحة في اليمن على تصور الحل في سوريا، خاصة فيما يتعلق بتقاسم السلطة وحقوق المكونات. كما أن نجاح أو فشل نموذج الحكم في اليمن، سواء بالانفصال أو الفيدرالية، قد ينعكس على سوريا بشأن النمط المستقبلي للحكم. والحل الجذري يتطلب معالجة الأسباب الداخلية، وضمان حقوق جميع المكونات، والحد من التدخلات الخارجية، وهو أمر يتطلب إرادة سياسية وإطارًا تفاوضيًا شاملاً».

أما فيما يخص اتفاقية 10 آذار 2024 بين الحكومة السورية وقسد، يؤكد أوسو: «انها تكتسب أهمية استثنائية في ظل التصعيد الإقليمي، حيث إن تطبيقها الفوري يُعد عاملًا حاسمًا لدرء الفتنة والحفاظ على السلم الأهلي، ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية قد تتدخل فيها أطراف خارجية، مما يعقد الأزمة السورية ويوسع التوتر الإقليمي. كما أن تطبيقها يشكل درعًا وقائيًا يعزز التنسيق الأمني، ويوحد الجهود لمواجهة التهديدات المشتركة، ويحول دون تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الخارجية.
ويشترط نجاحها معالجة قضايا المكونات القومية والدينية عبر الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي، وإعادة النظر في العملية السياسية، ودعوة لعقد مؤتمر وطني شامل يشارك فيه جميع المكونات، وصياغة دستور عصري يُؤسس لدولة ديمقراطية، تعددية، لامركزية، مع ضمانات لحماية الشعب الكردي وباقي المكونات، خاصة في ظل خطاب الكراهية والتحريض، وتصاعد النزعات العشائرية التي تهدد الاستقرار الوطني. فهذه الاتفاقية تمثل نموذجًا عمليًا للمصالحة يمكن تعميمه، مما يعزز حماية الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ويُظهر أن الحلول الداخلية عبر الحوار الوطني قابلة للتحقيق، وتساهم في تهدئة التوترات الداخلية والإقليمية من خلال حل القضايا الساخنة.

يختم أوسو: «تساهم الدول المعنية في تهدئة التصعيد وتحقيق الاستقرار من خلال تعزيز الحوار الإقليمي والدولي، للوصول إلى تفاهمات توازن المصالح الكبرى، وتقليل التدخلات المتصاعدة، والتركيز على الحلول السياسية للأزمات المحلية بدلاً من العسكرة أو التصعيد بالوكالة. بناء أمن جماعي إقليمي يحد من مخاطر التصعيد، ويحول دون تحويل المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى الدولية، هو السبيل لتحقيق الاستقرار. وفي الختام، فإن استقرار المنطقة مرهون باتفاق القوى الكبرى على قواعد التنافس، وهو ما يتطلب من دول المنطقة أن تلعب دور الجسر التفاوضي، وليس مسارًا للتصعيد، والعمل على إيجاد حلول عادلة وشاملة للقضايا القومية والأزمات الأساسية، مثل القضية الكردية، الفلسطينية، وأزمات سوريا واليمن ولبنان، لأن بقاء هذه الملفات مفتوحة يغذي عدم الاستقرار ويمنح الذرائع للتدخلات الخارجية، بينما الحلول السياسية العادلة تُزيل أحد أهم أسباب التوتر، وتُسهم في استقرار طويل الأمد».