من زرادشت كال إلى البارزاني الخالد: تاريخ الراية الكوردية
حسين موسى
منذ أقدم العصور، استخدمت الشعوب الرموز للتعبير عن هويتها وانتمائها، سواءً أكانت تلك الرموز لأشخاص أم مناطق أم كيانات سياسية. وقد تجسدت هذه الرموز بأشكال متعددة، كالأعمدة أو الرايات العسكرية أو الألوان المميزة.
وتُعد رايات الميتانيين والفراعنة والرومان من أقدم أشكال هذه الرموز، وإن لم تكن أعلامًا بالمعنى الحديث، بل أدوات رمزية للتمييز والهوية والانتماء.
لم يظهر العلم بوصفه رمزًا رسميًا للدولة إلا في العصور الوسطى الأوروبية، حيث بدأت الممالك تعتمد رايات تمثل الملك أو السلطة السياسية، ولا سيما في السفن والجيوش. ويُعد علم هولندا في القرن السادس عشر من أوائل الأعلام الوطنية بالمعنى شبه الحديث، بينما انتشر اعتماد الأعلام الرسمية على نطاق أوسع خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع نشوء الدول القومية في أوروبا وأمريكا.
في تلك المراحل، لم يكن للعلم تفسير رمزي دقيق لألوانه كما هو شائع اليوم، ولم يكن يُرفع بالضرورة فوق المباني الحكومية، بل كان في الغالب قطعة قماش بلون واحد أو أكثر تُستخدم للتمييز لا أكثر.
أما المفهوم الحديث للعلم، بوصفه رمزًا سياديًا مفسَّر الألوان ومعتمدًا رسميًا، فقد ترسّخ في العصر الحديث، وبلغ ذروته مع قيام الدول القومية وظهورها في المحافل الدولية.
أما قصة علم كوردستان، فتعود جذورها إلى عمق التاريخ، وبشكل خاص إلى اللون الأصفر، الذي ارتبط في الموروث الكوردي بنار زرادشت المقدسة، رمز النور الذي يغلب الظلام، والطهارة، والحياة. لذلك انتشر اللون الأصفر منذ العصور القديمة بوصفه راية رمزية للكورد، ومعبّرًا عن الشمس والنور والاستمرار. وفي العهد الميدي، كان الأصفر الذهبي رمزًا للشمس والنور والسلطة والنار المقدسة الطاهرة.
كما حمل القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي في بدايات القرن الثاني عشر راية صفراء، عكست هذا الإرث الرمزي العميق. وخلال الفترة الممتدة من القرن الثالث عشر حتى القرن الثامن عشر، حملت الإمارات الكوردية رايات متعددة الألوان، منها:
- إمارة بوتان باللون الأحمر القاني ذي الدلالة الشمسية.
- إمارة سوران باللون الأصفر الذهبي.
- إمارة موكريان بالأصفر والأبيض.
- إمارة بهدينان بالأصفر.
· إمارة هكاري بالأخضر.
· وإمارة بابان بالأحمر والأخضر.
وقد سقطت هذه الإمارات تباعًا دون أن تتمكّن من تشكيل تحالف قومي يوحّد راياتها في علم واحد جامع، مما حال دون تبلور رمز قومي موحّد في تلك المرحلة.
مع بدايات القرن العشرين وظهور الوعي القومي الكوردي، نشأت الجمعيات والنوادي الثقافية والسياسية. وفي عام 1919، تبلور لأول مرة العلم القومي الكوردي بشكله المعروف اليوم، المؤلف من ثلاثة ألوان أفقية: الأحمر، الأبيض، الأخضر، تتوسّطها شمس صفراء ذات 21 شعاعًا. وقد قُدِّم هذا العلم إلى مؤتمر باريس للسلام عام 1920 بوصفه رمزًا يمثل الشعب الكوردي وحقّه في تقرير المصير، وفق ما تذكره المصادر الكوردية المرتبطة بجمعية تعالي كوردستان.
ترمز الشمس ذات 21 شعاعًا إلى رقم مقدّس في الثقافة الكوردية، مرتبط بعيد نوروز (21 آذار) ورأس السنة الكوردية، وإلى مفاهيم الانبعاث والاستمرارية والحياة. أما الألوان فتمثل:
- الأحمر: للتضحية والنضال.
- الأبيض: للسلام والنقاء.
- الأخضر: للطبيعة والحياة.
- الأصفر: للنور والقداسة، بجذوره الممتدة إلى الإرث الزرادشتي والميدي.
وخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ارتبط العلم بالحركة الثقافية القومية، وجمعية خويبون التي كان لها دور في نشره من أجل استقلال كوردستان، وكذلك ثورة آغري التي رفعت علم كوردستان على جبال أرارات، ولا سيما عبر جهود الأمير جلادت بدرخان ومجلته "هاوار"، التي كرَّست البعد الثقافي واللغوي للهوية الكوردية، وأسهمت في تثبيت رمزية العلم قوميًّا.
وفي عام 1946، رُفع علم كوردستان لأول مرة بشكل رسمي بوصفه علم دولة في جمهورية كوردستان (مهاباد)، على يد القاضي محمد في ساحة چوارچرا، ليغدو رمزًا سياسيًا وقانونيًا للكيان الكوردي. وبعد سقوط الجمهورية، انتقل العلم إلى عهدة الملا مصطفى بارزاني، ليواصل مسيرته بوصفه راية النضال القومي والاستمرارية التاريخية.
خلال ثورة أيلول وثورة كولان، ظل العلم حاضرًا في معسكرات البيشمركة والمناطق المحررة، رغم منعه رسميًا. وبعد انتفاضة آذار 1991، عاد ليرفرف علنًا في مدن إقليم كوردستان. ومع تأسيس الإدارة الكوردستانية عام 1992، استُخدم العلم في المؤسسات الرسمية إلى جانب علم العراق.
وفي العام نفسه، أقرّ برلمان كوردستان العلم بوصفه رمزًا قوميًا للإقليم. وبعد عام 2003، توسع استخدامه في الدوائر الرسمية والمنافذ الحدودية والمؤسسات التعليمية. وأخيرًا، في 17/12/2009، صوّت برلمان إقليم كوردستان على اعتماد علم كوردستان علمًا رسميًا للإقليم إلى جانب علم العراق الاتحادي، مؤكّدًا مكانته بوصفه خلاصة لمسيرة تاريخية وثقافية ونضالية بدأت منذ عام 1919، وامتدت من زرادشت كال إلى البارزاني الخالد.