تجربة إقليم كوردستان في حماية الاقتصاد وتعزيز الاستقرار

تجربة إقليم كوردستان في حماية الاقتصاد وتعزيز الاستقرار

إبراهيم حاج صبري
يمثل الأمن القومي حجر الأساس في استقرار الدول وتوازنها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فهو ليس مجرد وسيلة لحماية الحدود من الأخطار الخارجية أو مواجهة التهديدات العسكرية، بل هو منظومة شاملة تتضمن الحفاظ على المصالح الوطنية العليا وضمان استمرارية التنمية وحماية الموارد والبنية التحتية وحفظ السيادة والقرار المستقل. وفي التجربة الكردية، وبخاصة في إقليم كوردستان، فإن الأمن القومي لم يكن مجرد مفهوم سياسي أو تنظيري بل كان قضية وجودية ارتبطت بتاريخ طويل من الاضطهاد والمعاناة والصراع من أجل البقاء. لقد أدرك الكرد منذ بداية تسعينيات القرن الماضي أن إقامة كيان سياسي وإداري مستقر يتطلب بناء منظومة أمن قومي قوية وفعالة قادرة على حماية التجربة الكوردستانية من التهديدات الداخلية والخارجية على حد سواء.
منذ الانتفاضة الشعبية عام 1991 وما تلاها من حكم ذاتي وإقليم مستقل وضع الحزب الديمقراطي الكوردستاني ضمن أولوياته بناء مؤسسات أمنية راسخة تشكل صمام الأمان للإقليم.
هذا البناء لم يكن غاية بحد ذاته بل وسيلة لحماية الإقليم وتعزيز موقعه السياسي والدستوري داخل العراق، وتمكينه من لعب دور فعال في محيط إقليمي ودولي معقد.
وقد تجلت أهمية هذه المنظومة الأمنية بوضوح مع دخول الشركات الأجنبية إلى الإقليم بعد عام 2003، وخاصة في مجالات النفط والطاقة والإعمار والتجارة. إن شركات النفط العالمية مثل إكسون موبيل وشيفرون ودي إن أو، إضافة إلى شركات الاستيراد والتصدير والبناء والاتصالات، لم تكن لتغامر بالعمل في بيئة مليئة بالتوترات لولا إدراكها لوجود منظومة أمن قومي تحميها وتضمن استقرارها. فالحماية التي وفرتها الأجهزة الأمنية في كوردستان لم تقتصر على حماية المدن والمواطنين فحسب، بل امتدت لتشمل المنشآت النفطية والأنابيب والمواقع الاستراتيجية والمشاريع الاقتصادية الكبرى. وقد أدرك الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن أي تهديد لهذه الشركات هو تهديد مباشر لمستقبل الإقليم الاقتصادي والسياسي، لذلك اعتبر أن الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
لقد خلق وجود هذه الشركات الأجنبية نوعاً من الأمان المتبادل، حيث ساهمت الاستثمارات التي قدمتها هذه الشركات في تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص عمل الآلاف من أبناء الإقليم، ما عزز من الثقة بين المواطن ومؤسساته الأمنية. وبفضل هذا التوازن، أصبح إقليم كوردستان يعرف بأنه المنطقة الأكثر استقرارا وأمانا في العراق، ووجهة أساسية للاستثمار الدولي، وهو ما منح التجربة الكردية خصوصية لافتة في محيط مليء بالاضطرابات. حتى في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تعرض لها الإقليم من بغداد أو من بعض القوى الإقليمية، فإن الحفاظ على الشركات العاملة فيه وتأمينها شكل ركيزة أساسية في سياسة الأمن القومي الكردي، لأن هذه الشركات لم تكن مجرد أدوات اقتصادية بل كانت ضمانا لبقاء كوردستان منفتحة على العالم ومتصلة بالأسواق الدولية.
لم يقتصر دور الأمن القومي هنا على الحماية المادية للمؤسسات الاقتصادية، بل شمل أيضا البعد الدبلوماسي الذي اعتمد عليه الحزب الديمقراطي الكوردستاني في نسج علاقات مع الدول الكبرى عبر بوابة الشركات العاملة في الإقليم. فقد ساهمت هذه الشركات في تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية بين الإقليم ودول متعددة، الأمر الذي أعطى لكوردستان قوة إضافية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وبذلك، أصبح الأمن القومي ليس فقط وسيلة للحماية بل أداة للتنمية ووسيلة لتعزيز المكانة السياسية والدستورية للإقليم.
لقد أظهرت تجربة الحرب ضد تنظيم داعش أن الأمن القومي الكردي لا ينفصل عن حماية الاقتصاد، إذ كانت قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية لا تدافع عن الأرض فقط، بل تحمي أيضا البنية الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري لنهضة الإقليم. فلو لم يكن هناك استقرار أمني لما تمكنت شركات النفط والطاقة من الاستمرار في عملها رغم تهديدات الإرهاب، ولما تمكنت شركات الاستيراد والتصدير من ضمان تدفق السلع، ولما استطاعت شركات البناء والإعمار أن تنهض بالمدن وتحولها إلى مراكز حضارية مزدهرة. إن العلاقة بين الأمن والاقتصاد هنا علاقة تكاملية، حيث يعزز كل منهما الآخر.
وهكذا، يمكن القول إن الأمن القومي في إقليم كوردستان أصبح مشروعًا وطنيًا شاملًا يتجاوز حدود الدفاع العسكري ليشمل بناء بيئة اقتصادية آمنة ومستقرة، وهو ما ساهم في تثبيت مكانة الإقليم كنموذج للاستقرار في منطقة مضطربة.
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني قد أدرك مبكرًا أن حماية الشركات النفطية وشركات الاستيراد والتصدير والاستثمارات الأجنبية ركيزة أساسية لحماية مستقبل الإقليم وضمان استمراريته السياسية والاقتصادية. وبذلك، أصبح الأمن القومي الكردي بمثابة السياج الذي يحمي التجربة الكوردستانية ويحافظ على توازنها الداخلي وعلاقاتها الخارجية، ويمنحها القدرة على مواجهة الضغوط والتحديات والاستمرار في طريق التنمية والتقدم.