السلم الأهلي وبناء سوريا: مفتاح العبور من الركام إلى الوطن

السلم الأهلي وبناء سوريا: مفتاح العبور من الركام إلى الوطن

عزيز بهلوي

بعد سنوات من الصراع المدمر الذي مزق النسيج الاجتماعي السوري، وألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، لم يعد الحديث عن إعادة الإعمار مجرد خطط اقتصادية وهندسية، بل أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بضرورة استعادة السلم الأهلي.
إن بناء الحجر دون ترميم البشر، وإقامة الطرق والجسور دون إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، هو مجرد واجهة هشة تخفي خلفها شقوقاً عميقة تهدد بإعادة اشتعال النزاع في أي لحظة.
أولاً: مفهوم السلم الأهلي في السياق السوري
إن تعريف السلم الأهلي في سوريا يجب أن يتجاوز المفهوم الضيق القائم على مجرد "الهدوء الأمني" أو "وقف إطلاق النار". فالسلم الأهلي الحقيقي، وفقاً للمعايير الدولية وضرورات المرحلة الانتقالية، هو حالة من الاستقرار والتعايش السلمي المستدام، ترتكز على:
* رفض العنف: النبذ المطلق لجميع أشكال العنف والتحريض الطائفي أو العرقي.
* ثقافة الحوار وقبول الآخر: إرساء ثقافة مدنية تعلي من شأن التفاهم واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والمواطنة الكاملة.
* العدالة والإنصاف: وهذا هو الركيزة الأهم، فالسلم لا يتحقق بغياب النزاع فقط، بل بـحضور الإنصاف والاعتراف بالكرامة المتبادلة.
لقد كانت الشرارة الأولى للثورة السورية جزئياً نداءً للعدالة، والتخلي عن هذا المطلب اليوم هو خيانة لتلك التضحيات. لذلك، لا يمكن أن يكون السلم الأهلي عبارة عن تسوية فوقية تفرض بالضغوط الأمنية.
ثانياً: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية كجسر للسلم
الحديث عن بناء السلم الأهلي في سوريا يصبح ناقصاً إن لم يرتبط بآليتين محوريتين: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة.
* العدالة الانتقالية هي الأساس: إن تجاهل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الصراع سيؤدي حتماً إلى تجميد النزاع لا حله، ويترك خلفه جروحاً مفتوحة قابلة للانتكاس.
* المصالحة المجتمعية: يجب أن تُبنى المصالحة على الثقة بدلاً من "المجاورة الحذرة" القائمة على الإنهاك والخوف. وهذا يتطلب إعادة بناء العلاقات بين مكونات المجتمع على المستوى المحلي، وتمكين المجتمعات من الحوار والتعبير عن سردياتها المتعددة للنزاع دون خوف، وصولاً إلى بناء ثقة حقيقية تُعيد تعريف معنى العيش المشترك. المصالحة ليست مجرد قرار سياسي، بل هي عملية اجتماعية عميقة.
ثالثاً: السلم الأهلي كشرط لإعادة الإعمار والتنمية
إن الجهود الدولية والمحلية لإعادة إعمار سوريا لن تثمر عن نتائج مستدامة ما لم تكن جزءاً لا يتجزأ من مشروع أوسع لتعزيز السلم الأهلي.
* الاستثمار في الإنسان والثقة: تعافي سوريا لا يقتصر على إعادة إعمار المدن والبنية التحتية المادية، بل يتطلب الاستثمار في الإنسان، واستعادة الثقة بالمؤسسات الحكومية، التي كانت غائبة أو متهالكة. يجب أن تكون سياسات إعادة الإعمار شفافة وشاملة، وتضمن المشاركة الحقيقية لجميع أصحاب المصلحة، لا أن تصبح سبباً لتعميق الانقسامات والتهميش عبر سياسات إقصائية.
* بناء مجتمع متماسك: إن السلم الأهلي يعزز التماسك الاجتماعي والتضامن بين أفراد المجتمع، مما يخلق بيئة مستقرة وآمنة ضرورية لعودة اللاجئين والنازحين، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وإطلاق مشاريع التنمية الشاملة. كما يساهم في حماية الأسرة السورية، من خلال توفير الاستقرار الاجتماعي والأمان النفسي.

إن السلم الأهلي هو صمام الأمان الوحيد لبناء سوريا قوية ومستقرة، فمتى انكسر، تنهار الثقة وتُفتح الأبواب أمام الفوضى مجدداً. يجب على جميع الأطراف أن تدرك أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على النسيان أو الإقصاء، بل على أرضية صلبة من العدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، واحترام الإنسان وحقوقه. إنها ليست مجرد شعارات مثالية، بل هي الأسس العملية التي لا غنى عنها للعبور بوطن عانى الكثير إلى مستقبل مشرق ومستدام لجميع أبنائه.