التعدُّد المقموع: قراءةٌ في المرسوم الرئاسي ١٨٨
د. كاميران حاج عبدو
لطالما كانت الهوية السورية فسيفساء متعددة، تتداخل فيها لغات ومعتقدات وعادات شعوب مختلفة، شكلت معاً تاريخ البلاد وثقافتها.
رغم هذا التنوّع، عانت سوريا لعقود من سياسات مركزية سعت إلى فرض التجانس القسري، وقلّلت من قيمة الرموز الثقافية لمكوّنات أصيلة من الشعب السوري. في هذا السياق، يصبح أي قرار رسمي، حتى لو بدا إدارياً أو بروتوكولياً، مؤشرًا على نهج الدولة في التعامل مع تعدديتها الثقافية. المرسوم الرئاسي رقم ١٨٨ لعام ٢٠٢٥، الذي أعاد تحديد الأعياد والعطل الرسمية، لم يكن استثناءً. فقد كشف التجاهل المتكرر لأعياد كبرى مثل نوروز والأكيتو ورأس السنة الإيزيدية عن استمرار عقلية الإقصاء، ويطرح تساؤلات جدية حول مفهوم المواطنة والمساواة في سوريا الانتقالية.
في التاسع والعشرين من أيلول عام ٢٠٢٥، أصدر الرئيس الانتقالي للجمهورية السورية مرسوماً رئاسياً أعاد تحديد الأعياد والعطل الرسمية في البلاد. ورغم أن مثل هذا الإجراء يفترض أن يكون خطوة رمزية في مسار بناء دولة جديدة تتسع لجميع أبنائها، إلا أن تجاهل المرسوم لأعيادٍ عريقة مثل عيد نوروز، العيد القومي للشعب الكردي، وعيد أكيتو، رأس السنة البابلية-الآشورية، وعيد رأس السنة الإيزيدية المعروف بـ“جارشه ما سه ري سالي”، شكّل خيبة أملٍ عميقة في الأوساط التي كانت تأمل أن تكون هذه المرحلة بداية حقيقية للمواطنة المتساوية، ولتأسيس جمهورية تعددية تحتضن جميع المكونات السورية على قدم المساواة.
ما بدا قراراً إدارياً بسيطاً سرعان ما تحوّل إلى إشارة رمزية خطيرة حول استمرار ذهنية الإقصاء التي لطالما رافقت بنية الدولة السورية في مراحلها السابقة.
حين تُستثنى مناسبات تعبّر عن عمق التنوع السوري، يُعاد إنتاج فكرة “الوطن الواحد بلونٍ واحد”، على حساب واقع غنيّ بالثقافات واللغات والطقوس التي شكلت هوية البلاد منذ قرون.
الأعياد القومية والدينية ليست شأناً هامشياً أو احتفالاً شكلياً، بل هي أعمدة رمزية للذاكرة الجمعية. إن نوروز، بما يحمله من معاني الحرية والتجدد، وأكيتو الذي يستعيد ذاكرة أولى الحضارات في بلاد الرافدين، ورأس السنة الإيزيدية الذي يحتفل ببداية الخلق والنور، تمثل جميعها تجليات لفسيفساء سوريا المتعددة. تجاهل هذه المناسبات لا يعني فقط إنكار طقوس جماعات، بل هو إنكارٌ لجزءٍ من روح الوطن ذاته.
الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن بناء “دولة المواطنة” يفقد مصداقيته حين يُترجم في السياسات العامة بعقلية أحادية لا ترى في التنوع سوى تهديد. فالمواطنة ليست تجريداً قانونياً، بل عقد اعترافٍ متبادل بين الدولة ومواطنيها. ولا يمكن لدولة أن تدّعي المساواة وهي تُقصي رموز مكوناتٍ أصيلة ساهمت في تاريخها ومعاناتها وآمالها.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الاعتراف الثقافي هو شرط أساسي للعدالة والاستقرار. فالمجتمعات التي تتصالح مع تعدديتها تنجح في بناء هوية وطنية جامعة، أما تلك التي تفرض التجانس القسري فتزرع بذور الانقسام في مستقبلها. سوريا التي خرجت من حربٍ مدمرة، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافةٍ جديدة ترى في كل عيدٍ محلي عيداً وطنياً، وفي كل رمزٍ ثقافي جزءاً من هوية مشتركة لا من هوامش منسية.
إدراج نوروز وأكيتو ورأس السنة الإيزيدية ضمن قائمة الأعياد الوطنية ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل فعل سياسي تأسيسي يعيد تعريف معنى الانتماء، ويؤكد أن الهوية السورية ليست كياناً واحداً ثابتاً، بل نهرٌ من روافد ثقافية وقومية وروحية متنوّعة شكّلت عبر التاريخ نسيجها الفريد.
إن مستقبل سوريا لن يُبنى بالإنكار، بل بالاحتفاء بتنوعها. فالوطن الحقيقي هو الذي يتسع للجميع — للكرد والآشوريين والعرب، للمسلمين والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم — وطنٌ يدرك أن غناه في تعدُّده، وأن الوحدة لا تُصنع بالمحو، بل بالاعتراف. إدراج الأعياد الوطنية المتنوعة ليس مجرد رمز، بل خطوة عملية تعكس التزام الدولة بالمواطنة والعدالة والاعتراف بالآخر. ومن دون هذا الاعتراف، ستظل السياسات الرمزية فارغة، والوطن الجامع شعارات تُرفع بلا معنى، فيما تبقى المكونات الثقافية والدينية في هامش التاريخ والقرار. بناء سوريا المستقبل يتطلب حواراً حقيقياً مع كل مكوّناتها، واعترافاً صادقاً بأن التعدد ليس تهديداً، بل أساس القوة والشرعية الوطنية.