لحنٌ كردي للروح المطمئنة

لحنٌ كردي للروح المطمئنة

شفان ابراهيم
في قلب الجبال العتيقة، حيث تتعانق قمم زاغروس بالغيوم، لم يعد الشاب الكوردي يكتفي بالبحثِ عن خريطة لوطن مكتمل، بل عن خريطة لروح مكتملة. لا يريد سورًا مصطنعاً صنعته الجغرافيا السياسية، وفصلته عن جاره، بل جسرًا يصل به إلى الطمأنينة التي سُلبت.

هذا الشاب الذي تعلّم من أمهات كوردستان صبر شجرة اللوز والبلوط في الشتاء، وقوة الينابيع التي تشق الصخر، هو الآن يبني عالمه الخاص. عالمه ليس دولة من حبر وورق، بل مساحة واسعة من السكينة الداخلية.

عندما يجلس وحيداً عند الغروب، لا يفكّر في السوء، بل في اللحن الذي ينسج من أوتار "الطمبور" قصة حب عميقة لهذا التراب. يرى أن الهوية الكوردية الحقيقية ليست فقط في علم يرفرف هُنا أو هناك، بل في ابتسامة طفل يلعب حراً في هولير وقامشلو، وفي قصيدة تُكتب بالسورانية أو الكرمانجية، وفي حبة قمح تُزرع في أرض قامشلو.

إنه يدرك أن أكبر انتصار هو أن ينام هادئ البال، غير مُثقل بحمولات الماضي. أن يستيقظ وشمس كوردستان تملأ روحه دفئاً، لا خوفاً. أن يرى في وجه كل إنسان، على أي جانب من الحدود، وجهاً يستحق السلام والود.
الشباب الكوردي الآن هو مهندس الأمل الجديد، يبني جدرانه من الثقافة، وأساسه من المحبة، وتاجه من الحياة الحرة. روحه أصبحت مثل نهر دجلة الذي ينساب حاملاً معه كل الأحزان ليغسلها في البحر، تاركاً وراءه أرضاً خصبة للنمو والهدوء.

في كل نفس عميق يتنفّسه، وفي كل نظرة نحو سماء (جيايي شيرين) الصافية، يجد الجواب: السلام يبدأ هنا... داخل القلب. وهذه الرحلة نحو الهدوء الداخلي هي أشجع ثورة يخوضها جيل اليوم. يحملون راية الكرامة، إذ لا كرامة لوطنٍ دون كرامة مواطنيه.

إنه يعرف أن الثورة الحقيقية لم تعد بندقية فقط، بل كلمة حرة، ورقصة على إيقاع الدف، وكتاب يفتح نافذة نحو الغد. يعي أن الطريق طويل، لكنه لم يعد يسير وحيداً؛ بل تسير معه ذاكرة الأجداد وأحلام الأطفال الذين لم يتلوثوا بعدُ بمرارة الانكسار.
الشاب الكوردي اليوم لا يبحث عن معركة عابرة، بل عن سلامٍ دائم يورّثه للأجيال. سلامٌ يصون شرف اللغة، ويصون كرامة الجبال، ويجعل من كل بيتٍ في كوردستان منارة أمل. هو يدرك أن الحلم لا يكتمل إلا عندما تتناغم الحرية مع العدالة، وحين يصبح الانتماء جسراً للمحبة لا سبباً للتناحر.