في اختلاط السياسة بالقانون وتأثيره على الشعب

في اختلاط السياسة بالقانون وتأثيره على الشعب

شيرا حاجي

من المتعارف عليه أن القانونَ له سلطةٌ محايدةٌ في تنظم شؤون الدولة وحماية الحقوق وتحقيق العدالة، ولتجعل من الدولة حاضنة آمنة تعيش فيها الشعوب مطمئنةً دون خوفٍ من ضياع أو تهديد وسلب وصون حقوقه، يكون فيه ميزان العدالة متساوياً ليس مائلاً لجهةٍ دون أخرى، في إحدى كفيها الحق والثاني العدالة.

الحق حملٌ ثقيل، ولكن العدالة تعينه على حملها فيسيران معاً نحو سحق الباطل، بينما السياسة هي فن إدارة المصالح واتّخاذ القرارات وفقًا لأجندات متغيرة، ولكن عندما تختلط السياسة بالقانون، يتزعزع ميزان العدالة، ويتحوّل القانون من أداة لإنصاف الناس إلى وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية. هذا التداخل له آثار عميقة على ثقة الشعوب بالمؤسسات، وعلى استقرار الدولة ومصداقيتها.
بالرغم من أن للسياسة دوراً هاماً في سن القوانين وإدارة الشؤون الداخلية والخارجية للدولة، إلا أنه يجب توضيح الفرق بين القانون والسياسة:
يبدو جلياً أن القانون يعتمد على قواعد ثابتة تُسنّ لحماية الحقوق والواجبات، ويُفترض أن يُطبّق على الجميع دون استثناء، أما السياسة، فتُعنى باتخاذ القرارات وتحديد الأولويات، وغالبًا ما تتأثر بالمصالح الحزبية أو الشخصية، لذا عندما تتداخل السياسة مع القانون، قد يتحول الأخير إلى أداة تستخدمها السلطة لتوطيد قوته بطرق شتى كقمع المعارضين أو حماية المتنفذين.

هناك مظاهر لخلط السياسة بالقانون تبدو خلال محطات شتى منها: التدخُّل في القضاء، كأن تُصدر أحكام قضائية بناءً على توجُّهات سياسية، أو يُستخدم القضاء لمعاقبة المعارضين. وكذلك تشريع قوانين لخدمة السلطة: تمرير قوانين تعزز بقاء حزب أو شخص في الحكم، بدلًا من خدمة المصلحة العامة، كما أن تسييس مؤسسات العدالة تبدو في مظاهر الخلط المذكور كاختيار القضاة والمدعين بناء على ولائهم السياسي وليس كفاءتهم.
أما بالنسبة لتأثيرات الحالة على الشعب، فتبدأ رواسبها من فقدان الثقة بالمؤسسات، لتنتهي بفقدان الانتماء، فعندما يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق بعدالة، يفقد الثقة في الدولة ويشعر بالإقصاء.
ومن بعدها الظلم الاجتماعي والسياسي، حيث يتعرض المعارضون للاضطهاد القانوني، بينما يُعفى الفاسدون المقربون من السلطة.
ومن ثم ضعف سيادة القانون، لتصبح القوانين مرهونة بمزاج السلطة، ما يؤدّي إلى الفوضى القانونية، ويشجع على العنف وردود الفعل خارج الإطار الرسمي.
والنتيجة تؤدي إلى تفاقم الهجرة وفقدان الانتماء: فيفقد كثير من المواطنين الأمل في الإصلاح، ويلجؤون إلى الهجرة أو الانعزال عن الحياة العامة.
من الأمثلة الواقعية، نجدُ كثيراً من الدول تعاقب النشطاء السياسيين تحت غطاء "قوانين الأمن القومي"، وحكومات تُعدّل الدساتير لتمديد حكم الزعماء وتُشرّع قوانين لقمع حرية التعبير.
وهذا ما كان يحدث في جميع الدول العربية قبل البدء بالثورات، ومازالت آثارها واضحة وتأثيرها مستمر.

إن خلط السياسة بالقانون يهدّد أسس العدالة، ويزعزع استقرار الدول. لذا يترتّب على الحكومات أن تضمن استقلالية القضاء وتحييد القانون عن الصراعات السياسية، فالشعوب لا تطالب بالمستحيل، إنما فقط تتطلّع إلى قانون عادل يُطبّق على الجميع دون تمييز، فبدون العدالة، لا يمكن أن يتحقق الأمن، وبدون القانون المحايد، لا يمكن أن توجد الدولة العادلة.
وفي النهاية لا فائدة لقانونٍ ولا عدلٍ بدون شعب.