استراتيجية اختيار الأداة المناسبة في التوقيت والسياق المناسبين

 استراتيجية اختيار الأداة المناسبة في التوقيت والسياق المناسبين

رفعت حاجي

شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحوّلات عميقة أفرزت أنماطاً جديدةً من القوة والنفوذ، فمما لاشك فيه أن اعتماد استراتيجية الحرب غير المتكافئة، سبيل للهلاك، حيث تتنافس الدول فيما بينها في مجالات عدة، ومنها تحقيق قوة عسكرية تفوق قوة خصومها، فإن لم يكن تحقيق التفوق ممكناً يصبح الهدف تحقيق التوازن، إلا أن التقدّم التكنولوجي الكبير جعل المهمّة صعبة المنال في الشرق المضطرب، فهي تبقى متأخّرة جداً عمّا هو في ترسانات القوى الغربية، لتبدأ التحول الاقتصادي السّعي لتعزيز القوة الناعمة من خلال الاستثمار في أدوات القوة الذكية، جزءاً من الاستراتيجيات الشاملة لإعادة التموضع العالمي.
هذا الواقع يفتح الباب واسعاً أمام استراتيجيات القوة الذكية كإطار لفهم كيفية بناء وإعادة تشكيل التحالفات، فى ظل بيئة مضطربة وغير مستقرة، فالقوة الناعمة بما تتضمنه من أدوات ثقافية، ودبلوماسية، وإعلامية لم تعد قادرة بمفردها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول، في إطار يوازن بين الردع والجاذبية وبين الضغط والاحتواء.
بعد التحولات التي أدت إلى إعادة تشكيل موازين القوى وتموضعها الاستراتيجي، عبر المزج بين أدوات الردع العسكري والقوة الاقتصادية المتنامية، وتجنب تكاليف الاعتماد الأحادي على السلاح أو الخطاب الثقافي، بقدرتها على إنتاج أنماط مستقرة ومستدامة من العلاقات، "باعتبارها الوسيلة الأساسية لتحقيق المصالح الوطنية"، شهد الشرق الأوسط منذ عام 2011 تحوُّلاتٍ جذريةً فى بنيته الجيوسياسية، يمكن وصفها بمرحلة انتقالية عميقة، ومن أبرز سمات هذه المرحلة بروز الفاعلين من غير الدول، سواء فى صورة تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، أو ميليشيات مدعومة من قوى إقليمية، وقد فرض هؤلاء الفاعلون أجنداتهم على الخريطة الجيوسياسية، مما زاد من هشاشة الدولة الوطنية، هذا الواقع خلق بدوره إعادة تموضع لدور القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.
فإيران عززت نفوذها الإقليمي عبر شبكة من الوكلاء الممتدين من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، معتمدة على مزيج من القوة الصلبة (دعم عسكري مباشر وتمويل) والقوة الناعمة (الخطاب الطائفي، والدعم الاجتماعي فى بعض البيئات المحلية)، وعملت جاهدة على بناء قوة عسكرية حاشدة رغم العقوبات الدولية، التي حدّت بشكل كبير من قدرتها على الحصول على أحدث التكنولوجيا، فلجأت إلى سياسة خلّاقة، عبر خطوات ذكية وفعّالة، عن طريق جيوش إلكترونية ووسائل إعلامية، تمكنت من إشاعة "وهم القوة" عبر سياسة "حافّة الهاوية" مكّنها من تسويق مكانتها، ما وفّر لها بيئة أيديولوجية حاضنة.
في المقابل عملت تركيا على توسيع نفوذها بالجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية النشطة، مع الانخراط العسكري المحدود في سوريا وليبيا. أما السعودية والإمارات، فقد تبنتا مقاربة هجومية، إلى جانب محاولات لإعادة بناء النظام الإقليمي عبر أدوات مالية، واقتصادية، وإعلامية واسعة النطاق.
فيما مثّلت التدخلات الدولية بعداً حاسماً في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، فقد أدّى التحرُّك الأمريكي بالانخراط العسكري المباشر في سوريا، إلى خلق فراغ استراتيجي حاولت روسيا ملأه عبر تدخل عسكري مباشر في سوريا منذ 2015، مما أضاف بعداً جديداً فى التوازنات الدولية، جعلت من سوريا ساحة تنافس مفتوحة بين قوى كبرى وصاعدة.
وبالرغم من موقعها الجغرافي الفريد وثرائها الديموغرافي، وإرثها الحضاري، غير أن غياب الحكمة تعرّضها لتحديات كبيرة أعقبها من تقلبات داخلية وانكشاف استراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي، وقد دفعت هذه الظروف فى إطار ردع استراتيجي محدود، لتشير إلى أهمية القوة الذكية والتي تكمن في بعدها التكيفي، فهي إطار يسمح بتعديل مزيج الأدوات وفقا للظروف.
فمع بدء التنافس الحاد بين القوى الإقليمية، بدأت السلطة (المنتدبة) إلى دمشق، تفرض تحدياً في الحفاظ على مكانتها كقوة محورية، لإعادة التموضع في بيئة شديدة التعقيد، بأساليب لا تمت للتكتيك المعاصر بتّة، وتضعف قدرة مؤسسات الحكم على ترجمة الموارد المتاحة إلى سياسات خارجية مستقرة، بجعل البلاد ساحة مفتوحة لصراعات (طائفية قبلية) تعيد بسوريا إلى عصور الانحطاط، عبر تجنيد القبائل والفزعات العشائرية لتغدو البلاد مسرحاً لغزوات الجهل متخمة بثقافة الانتقام، بعيدةً كل البعد عما يشهده النظام الدولي من تحولات بنيوية عميقة تتجسد في تراجع الهيمنة الأحادية، غير آبه بالمخاطر التي ترفع من كلفة الخطأ الاستراتيجي، إذ تتداخل إشارات القوى الكبرى بانعدام الثقة بصورة تربك حسابات المخاطرة والعائد.
ففي الحروب، لا يتمّ احتساب ما يتمّ إطلاقه من قذائف وصواريخ بقدر ما يتمّ احتساب ما تستطيع هذه المقذوفات أن تصيب وتدمّر فعلاً، هنا يأتي دور الإعلام لجانبي النزاع كلٌّ لأسبابه وأهدافه الخاصة، في تسويق رواياتها عن كل عملية هجومية يقوم بها، متحدثة عن خسائر وإصابات كبيرة.
وشهد العالم على ذلك يومي 13 و14 نيسان الماضي عندما أطلقت إيران أكثر من 300 صاروخ ومسيّرة، سقط وأُسقط غالبيتها، وبالكاد خلّفت خسائر نتيجة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي - الأميركي الذي وفّر شبكة دفاع جوي ناجحة. هذا في حين أن الردّ الإسرائيلي كان في غارة جوية قصيرة أطلق خلالها ثلاثة صواريخ فقط قرب منشأة نووية إيرانية ألحقت بها الويلات.
إيران التي تملك جيوشاً إلكترونية منظّمة على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى وسائل إعلام تقليدية، حتى الآن تتحدث عن خسائر جسيمة لحقت بإسرائيل رغم الوقائع المغايرة. أما الإعلام الإسرائيلي فيريد تضخيم حجم التهديد التي يواجهه، وتظهر عبر إعلامها والإعلام الغربي على أنها تعيش في خوف من إيران ووكلائها. ومردّ ذلك استدراج التعاطف الدولي، وتحديداً الغربي، وهذا ما يتابعه الإعلام غالباً.

بذلك يمكن القول إن القوة الذكية ليست مجرد دمج حسابي بين القوة الصلبة والناعمة، بل هي قدرة استراتيجية على اختيار الأداة المناسبة فى التوقيت والسياق المناسبين، فهي تمثل شكلاً متقدماً من التفكير الاستراتيجي في العلاقات الدولية، ببناء التوازنات في بيئات مضطربة، واستتباب الاستقرار فيها كمحرك أساسي لبناء توازنات أكثر مرونة فى ظل التعددية القطبية الناشئة.
وبذلك تمثل القوة الذكية بالنسبة للشرق الأوسط عموماً، أداة استراتيجية لتجاوز الانقسامات الحادة وإعادة رسم التحالفات على أسس جديدة تراعى المصالح المشتركة وتستجيب لتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية المعاصرة.