شعب لا مجتمع: الكُرد على مفترق التاريخ بين الإنكار والفيدرالية
صلاح عمر
على مدى قرن كامل، ظل الشعب الكُردي يدفع ثمن الخطوط المصطنعة التي رسمها الاستعمار على خرائط الشرق الأوسط. تلك الخطوط التي وُلدت من رحم اتفاقية سايكس – بيكو لم تكتفِ بتمزيق الجغرافيا، بل تمادت لتجزئة الذاكرة والهوية والمصير. كل الشعوب المحيطة نالت حقها في دولة أو كيان سياسي، فيما الشعب الكُردي، أحد أقدم شعوب المنطقة وأكثرها تجذرًا في أرضه، جرى تشتيته إلى أربع دول مختلفة: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. ومنذ ذلك الحين، لم يكن أمام الكُرد خيار آخر سوى المقاومة للحفاظ على وجودهم وهويتهم.
تاريخ الكُرد في سوريا هو فصل موجع من هذا المشهد الكبير. فمنذ أن تأسس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957 على يد الراحلين عثمان صبري ونور الدين زازا ورفاقهم، دخل الكُرد مرحلة جديدة من النضال العلني، لكنهم واجهوا ماكينة قمع لا هوادة فيها. حملات اعتقال واسعة، محاكمات عسكرية، إنكار كامل للهوية القومية، وصولًا إلى سياسات هندسة ديموغرافية مثل مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي. كل ذلك كان يهدف إلى اقتلاع الكُرد من أرضهم التاريخية في الجزيرة وعفرين وكوباني، وطمس هويتهم القومية. لكن هذه السياسات لم تزد الشعب الكُردي إلا صلابة وإصرارًا على مواصلة النضال.
لقد أثبتت الأحداث أن الكُرد ليسوا مجرد "مجتمع" كما يصرُّ البعض على توصيفهم، بل هم شعب أصيل، يمتلك كل مقومات الشعب من لغة وتاريخ وأرض وهوية وموروث حضاري. والفرق بين المصطلحين ليس لغويًا أو شكليًا، بل سياسيًا وجوهريًا. فتعريف الكُرد كمجتمع يضعهم في مرتبة مكوّن ثانوي بين مكونات سوريا، بينما الاعتراف بهم كشعب يعني إقرارًا بحقوقهم القومية، ومنها حقهم في تقرير مصيرهم وصياغة مستقبلهم. هذه المعركة اللغوية – السياسية هي اليوم محور الجدل الأساسي في المفاوضات السورية الجارية.
لقد حاولت الأنظمة القومية العربية طوال عقود أن تفرض على الكُرد هوية زائفة. ادّعت أنها ضد الاستعمار وضد سايكس – بيكو، لكنها في الحقيقة جعلت من تلك الحدود التي رسمها الاستعمار “مقدسات” لا يجوز مسّها. أي مفارقة أكبر من هذه؟ كيف يمكن لنظام يرفع شعار محاربة الاستعمار أن يقدّس خرائطه؟ لقد عاش الكُرد غرباء في وطنهم، محرومين من لغتهم وحقوقهم الأساسية، وكأنهم ضيوف عابرون في أرضٍ هي جذورهم وذاكرتهم.
ومع اندلاع ثورات "الربيع العربي" عام 2011، دخل الكُرد في سوريا مرحلة جديدة. شاركوا في الثورة منذ بدايتها، لكنهم سرعان ما أدركوا أن المعارضة السورية، مثل النظام، تحمل عقلية مركزية قومية تنكر وجودهم القومي. انقسمت المعارضة بين تيارات إسلامية وقومية مرتبطة بأجندات إقليمية، ورفضت الاعتراف بالكُرد كشعب. هكذا وجد الكُرد أنفسهم مرة أخرى خارج المعادلة، لا النظام يقبلهم ولا المعارضة تعترف بحقوقهم.
مع اتّساع رقعة المظاهرات المناوئة ضد نظام بشار الأسد ومشاركة الكُرد فيها بفعالية، أعلنت القوى والأحزاب الكُردية في نهاية عام 2011 عن تأسيس المجلس الوطني الكُردي (ENKS) ليكون مظلة سياسية جامعة للكرد. وقد اختار المجلس لاحقًا الانضمام إلى ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، في خطوة أكسبته موقعًا ضمن المعارضة الرسمية المعترف بها دوليًا، لكنها في المقابل عمّقت الشرخ مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي رفض الانخراط في الائتلاف بسبب تبعيته للسياسات التركية. وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى، تبلور خطّان متوازيان داخل الساحة الكُردية: خطّ المجلس الوطني الكُردي المتماهي مع المعارضة العربية المدعومة من أنقرة، وخطّ الإدارة الذاتية التي اعتمدت على قوتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الخاصة. هذا الانقسام البنيوي بين الطرفين سيصبح لاحقًا العقبة الأكبر أمام بناء مشروع وطني كردي موحّد.
التحوُّلات الكبرى جاءت لاحقًا. ففي 8 كانون الأول 2024، سقط نظام حزب البعث أخيرًا بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد، وهرب بشار الأسد إلى موسكو. المعارضة استلمت زمام الحكم في دمشق، وعُيّن أحمد الشرع رئيسًا مؤقتًا لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات. للوهلة الأولى، بدا الأمر وكأن صفحة جديدة تُفتح أمام سوريا وشعوبها. غير أن الوقائع سرعان ما كشفت أن عقليات الماضي ما زالت تسيطر. فقد عقدت المعارضة مؤتمر الحوار الوطني، لكنها استبعدت الحركة السياسية الكُردية من المشاركة. لم يكن ذلك إلا تكرارًا لنفس سياسة الإقصاء والإنكار التي مارسها النظام البعثي لعقود.
الأدهى من ذلك أن الحكومة المؤقتة شكّلت حكومةً من لون واحد، ولم تستطع أن تعكس حقيقة التنوع السوري. وبدلًا من المصالحة الوطنية، اندلعت مجازر في الساحل استهدفت العلويين، وأخرى في السويداء ضد الدروز. هذه الجرائم المروعة دفعت تلك المكونات إلى رفع صوتها عاليًا بالمطالبة بالفيدرالية كضمانة للوجود والأمان. بل إن الدروز ذهبوا أبعد من ذلك، ليطالبوا بحق تقرير المصير والانفصال. إذا كان هذا هو حال المكونات الأخرى، فكيف يمكن أن يُطلب من الشعب الكُردي أن يقبل بأقل من الفيدرالية وهو الذي دفع أثمانًا أكبر بكثير عبر تاريخه الحديث؟
في خضم هذه الأحداث، جرت مفاوضات بين حكومة دمشق وقوات (قسد) حول دمج الأخيرة في الجيش السوري وصياغة تفاهمات حول مستقبل الكُرد. وكانت المرجعية هي اتفاقية 10 آذار 2025 التي وُقعت بين الرئيس المؤقت أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي. لكن جوهر هذه الاتفاقية أثار جدلًا خطيرًا، لأنها نصت على أن الكُرد "مجتمع أصيل" في سوريا، دون الاعتراف بهم كشعب. هذا التفاف على الحقيقة التاريخية والسياسية، ومحاولة لإبقاء الكُرد في مرتبة “أقل من شعب” و”أقل من شريك”. من هنا فإن جوهر الصراع اليوم هو: هل يُعترف بالكُرد كشعب أصيل يستحق الفيدرالية والشراكة، أم يُختزلون إلى مجرد مجتمع ضمن مجتمعات أخرى؟
التجربة الكُردية في العراق تقدّم الجواب الواضح. هناك لم يُمنح الكُرد الفيدرالية كهبةٍ من بغداد، بل انتزعوها عبر تضحيات جسام ونضال طويل وتحالفات ذكية. منذ انتفاضة 1991 حتى دستور 2005، استطاع الكُرد أن يفرضوا أنفسهم كحقيقة سياسية وجغرافية. الفيدرالية في العراق اليوم ليست منّة من أحد، بل هي ثمرة إرادة شعب وصمود دماء. وهذا الدرس يجب أن يكون البوصلة أمام كرد سوريا: الحقوق القومية لا تُمنح، بل تُنتزع.
في المقابل، لا يمكنُ إغفالُ الدور الإقليمي. تركيا، على سبيل المثال، تعيش حاليًا حراكًا سياسيًا غير مسبوق مع عودة الحديث عن عملية سلام بين الحكومة وزعيم حزب العمال الكُردستاني عبد الله أوجلان. إذا نجحت هذه العملية، فإنها ستفتح الباب أمام حل ديمقراطي للقضية الكُردية في تركيا، وستنعكس إيجابًا على عموم كوردستان. وفي إيران، رغم القبضة الحديدية للنظام، إلا أن الاحتجاجات المتصاعدة تكشف هشاشة الوضع، وقد تفتح في المستقبل آفاقًا جديدة للكرد هناك. أما دوليًا، فإن المجتمع الدولي يدرك أكثر من أي وقت مضى أن تجاهل الكُرد لم يعد ممكنًا. من واشنطن إلى باريس إلى تل أبيب، هناك قناعة بأن أي استقرار في سوريا لن يتحقق من دون حل عادل للقضية الكُردية.
غير أنّ كل هذه المعطيات ستظلُّ بلا معنى إذا عجز الكُرد عن توحيد صفوفهم. فالانقسام الذي كان قائمًا بين المجلس الوطني الكُردي والإدارة الذاتية شكّل الخطر الأكبر على حاضرهم ومستقبلهم، وأثبتت التجارب أن الانقسام الداخلي أخطر من كل الضغوط الخارجية. لقد تعثرت محاولات التوحيد السابقة في هولير ودهوك وقامشلو، لكن الفرصة لم تُهدر بعد. فالوحدة الداخلية ستبقى السلاح الأقوى الذي يملكه الكُرد، إذ لا دعم دولي يمكن أن يعوّض غيابها، ولا متغيرات إقليمية ستثمر إن ظل البيت الكُردي مشرذمًا.
مع ذلك، فإن التطوُّرات الأخيرة أعادت الأمل إلى الواجهة. فقد أثمرت الجهود المتواصلة التي قادها الرئيس مسعود بارزاني، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة وفرنسا، عن عقد كونفرانس وحدة الصف والموقف الكُردي، الذي حضرته معظم الأحزاب السياسية الكُردية إلى جانب منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب ووجهاء المجتمع. وقد شكّل هذا الكونفرانس محطة تاريخية فارقة، إذ خرج بمشروع متكامل لحل القضية الكُردية ضمن إطار سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، مع رؤية واضحة للحل الوطني الشامل لكل سوريا. والأهم أنه أسفر عن تشكيل وفد كردي موحد يتمتع بشرعية سياسية وشعبية، ليتولى التفاوض مع دمشق باسم الشعب الكُردي، مما يمنح قضيتهم حضورًا أكبر وثقلاً حقيقيًا في أي عملية تفاوضية تخص مستقبل البلاد.
اليوم، ونحن أمام سوريا جديدة قيد التشكل، على الكُرد أن يتمسكوا بهدف واضح لا لبس فيه: الاعتراف بهم كشعب أصيل في سوريا، وصياغة دستور يضمن لهم الفيدرالية كشكل من أشكال الشراكة الحقيقية. أي صيغة أقل من ذلك لن تكون سوى إعادة إنتاج للإنكار بأدوات جديدة. الفيدرالية ليست تقسيمًا، بل هي الضمانة الوحيدة لوحدة سوريا على أسس عادلة وديمقراطية. وهي ليست مطلبًا كرديًا فقط، بل باتت أصوات العلويين والدروز وسواهم ترتفع مطالبة بها، لأنها الصيغة الوحيدة القادرة على إنقاذ البلاد من دوامة الإقصاء والمجازر.
إن اللحظة التي نعيشها اليوم ليست عادية. هي لحظة فاصلة في تاريخ الشعب الكُردي في سوريا. إما أن يستثمر هذه اللحظة ليصوغ مستقبله كشعب شريك متساوٍ في سوريا جديدة ديمقراطية تعددية لا مركزية، أو أن يضيع الفرصة فيتكرر سيناريو الفرص الضائعة التي عرفها تاريخه الطويل.
الخاتمة واضحة: الكُرد ليسوا مجتمعًا عابرًا في سوريا، بل شعب أصيل متجذر في أرضه وتاريخه. والفرق بين هذين التعريفين هو الفرق بين البقاء على هامش الدولة، أو الدخول شريكًا كاملًا في صياغة مستقبلها. المستقبل مشرق إذا أحسن الكُرد استثمار اللحظة، ووحدوا صفوفهم، وتمسكوا بحقهم في الفيدرالية. عندها فقط، لن يكونوا ضحايا خرائط سايكس – بيكو بعد الآن، بل صانعي خريطة جديدة، خريطة العدالة والكرامة، لأنفسهم ولجميع السوريين.