الوحدة الكوردية وضمان الحقوق القومية: قراءة في التمثيل السياسي والإداري للكورد في سوريا

الوحدة الكوردية وضمان الحقوق القومية: قراءة في التمثيل السياسي والإداري للكورد في سوريا

إبراهيم حاج صبري

تشهد الساحة الكوردية في سوريا مرحلة دقيقة وحساسة، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتفرض هذه المرحلة على المكونات الكوردية ضرورة التنسيق المتزايد فيما بينها والعمل على توحيد الموقف السياسي ضمن إطار وطني ديمقراطي يعكس تمثيلاً حقيقياً للشعب الكوردي، بعيداً عن أي محاولات للانقسام أو التوظيف السياسي الضيق.
وقد جسّد المجلس الوطني الكوردي، من خلال وفده المخوّل من المؤتمر القومي الشامل الذي انعقد في قامشلي في 26 نيسان الماضي، نموذجاً للتمثيل الكوردي الجامع، إذ ضم الوفد ممثلين عن كافة الأحزاب والتنظيمات الكوردية، بالإضافة إلى ممثلي الفعاليات الثقافية والاجتماعية، وحظي بتأييد قوى إقليمية ودولية، وهو ما يبرهن على شرعيته ومصداقيته في تمثيل المكون الكوردي بكافة أطيافه. وقد أكد الوفد في وثيقته السياسية على بناء الدولة السورية الجديدة على أسس اللامركزية الإدارية والسياسية وديمقراطية تعددية، وضمان الحقوق القومية للشعب الكوردي وكافة الأقليات الموجودة في سوريا ضمن إطار وحدة البلاد، ما يعكس رؤية كردية متوازنة تجمع بين المطالب المشروعة والتطلعات الوطنية دون الانحراف نحو مشاريع انفصالية أو أحادية، وهو ما يعزز من قوة الموقف الكوردي في أي حوار سياسي مستقبلي.
ما يطرح تساؤلات حول أسس المعايير السياسية المتبعة ومدى التزامها بالشفافية والديمقراطية. كما يظهر بجلاء أن النظام السوري، على الرغم من تصريحاته الظاهرية حول التعددية والمشاركة، يتبنى سياسة تكتيكية تقوم على استغلال الانقسامات بين الأطراف الكوردية، بحيث يحاول الحفاظ على القدرة على المناورة، ويستغل أي خلاف داخلي بين المجلس الوطني والإدارة الذاتية لتقليص الضغط الكوردي الموحد.
من الناحية التحليلية، تكشف هذه التباينات في التعاطي مع المكوّن الكوردي عن عدد من الإشكاليات البنيوية، أولها ضعف آليات التمثيل السياسي الموحد، الذي يضمن للفئات الكوردية المختلفة التعبير عن تطلعاتها دون أن تكون مرهونة بموقف طرف واحد، وثانيها وجود ازدواجية في المعايير التي يتم بها تقييم الأطراف الكوردية، إذ يقارن الوفد الموحد مع فصائل بعينها وفق حسابات ظرفية ومصالح لحظية، وثالثها محدودية الثقة المتبادلة بين الأطراف الرسمية والوفود الكوردية، ما يعيق بناء أي توافق مستدام ويحد من فرص تحقيق مكتسبات ملموسة.
أظهرت تجربة الإدارة المؤقتة السابقة، كما انعكس في تعامل الرئيس المؤقت أحمد الشرع، محاولات محدودة للمرونة الدبلوماسية، إذ التزم الصمت في بعض القضايا الحساسة، بما فيها القضية الكوردية، وحاول تحت ضغط دولي اللقاء بقائد "قسد" مظلوم عبدي في دمشق، غير أن هذا المسار لم يستمر بشكل متسق، إذ سرعان ما عاد الخطاب السياسي إلى مستويات متشددة، مع تعميمات وتحذيرات مبالغ فيها حول ما يُسمى "الانفصال"
في هذا الإطار، يصبح التمثيل الكوردي الحقيقي والفعال قائمًا على تقارب الموقفين الكورديين في الجوهر، فالمجلس الوطني يوفر القيادة السياسية والخبرة التفاوضية، بينما تضيف الإدارة الذاتية الخبرة الإدارية، ويشكل تكامل هذين الموقفين قاعدة متينة لمواجهة سياسات النظام القائمة على اللعب على الانقسامات وتقليل تأثير أي موقف كردي موحد. ويؤكد الواقع أن تعزيز الوحدة الكوردية ليس غلقًا للمجال أمام المبادرات الفردية أو التعددية، بل إدارة حكيمة للاختلافات لضمان أن تمثل جميع الأطراف إرادة الشعب الكوردي بفعالية، وأن يكون لها صوت قوي ومؤثر في أي مفاوضات وطنية.
الإعلام المسؤول يمكن أن يلعب دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يبرز التقارب بين الموقفين، ويعكس وحدة الرؤية الكوردية، ويكشف التلاعب بالمعايير المزدوجة الذي تمارسه بعض الأطراف الرسمية، ويساهم في بناء الثقة بين جميع الأطراف الكوردية، بما يعزز موقعهم في أي صياغة سياسية مستقبلية لسوريا.
ويعكس تقارب المجلس الوطني والإدارة الذاتية في الجوهر قدرة المكون الكوردي على مواجهة التحديات المركبة، إذ يمكنهما معاً وضع استراتيجيات فعالة تعزز التمثيل السياسي، وتحمي المكتسبات القومية، وتضمن أن تكون الحقوق الكوردية جزءًا لا يتجزأ من أي حل وطني. ويتيح هذا التكامل مواجهة أي محاولات للانقسام أو تقزيم التمثيل الكوردي، كما يضمن قدرة الكرد على حماية مكتسباتهم وتحقيق مشاركتهم الفاعلة في صياغة سوريا المستقبلية على أسس ديمقراطية تعددية، وهو ما يجعل الوحدة الكوردية ليس مجرد خيار استراتيجي بل شرطاً أساسياً لتحقيق الحقوق القومية، والحفاظ على المكتسبات السياسية والإدارية، وتعزيز القدرة التفاوضية للمكون الكوردي، بعيداً عن الانقسامات التي يسعى النظام لاستغلالها لتحقيق مصالحه الخاصة
وعليه، فإن المصلحة الكوردية العليا لا تكمن في الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، ولا في المفاضلة بين مشاريع، بل في صياغة خطاب جامع يضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبار. فالقضية الكوردية هي قضية أمة تمتلك الحق في الوجود والكرامة، ولن تحقق أهدافها إلا بوحدة أبنائها وتكاتف قواها، بعيداً عن التشرذم والانقسام.