الثورة الرقمية: حين يصبح الحاسوب قلب الحضارة
سامي أحمد علي
لم تعد التكنولوجيا الحديثة زينة عابرة في حياة الإنسان، ولا أدوات هامشية يستعين بها عند الحاجة، بل غدت ركيزة كبرى يقوم عليها بنيان الحضارة المعاصرة. غير أن هذه الركيزة، على متانتها، لا تستمد قوتها من ذاتها، بل من الإنسان الذي أبدعها، ووجهها، وأحسن توظيفها. فالحاسوب، الذي يلقب بالقلب النابض للثورة الرقمية، ليس إلا آلة صامتة حتى ينفخ فيها من فكر الإنسان وروحه، فيغدو أداة خلق وابتكار، وجسراً يصل بين الحلم وتحقيقه.
لقد أتاح الحاسوب للعلماء أن ينفذوا إلى دقائق الخلية، وأن يحاكوا الظواهر الكونية، وأن يقتربوا من أسرار المجرات السحيقة. غير أن هذه الإنجازات لم تكن لتشرق لولا العقول التي خططت، والأيادي التي برمجت، وحتى الذكاء الاصطناعي الذي يثير الإعجاب بقدرته على التعلم الذاتي واستقراء الأنماط، لا يعدو كونه مرآة تعكس ما صاغه الإنسان من بيانات وقوانين. فهو لا يبدع بذاته، بل ينهل من معين الفكر البشري، ويتغذى على ما يجود به من معرفة وخبرة.
في ميادين الحياة اليومية، يزداد وضوح هذه العلاقة التشاركية بين الإنسان وأدواته. فالتعليم الإلكتروني لم يكن ليفتح أبوابه لكل طالب علم لولا معلم خط منهجا، أو مؤسسة صاغت رؤية. والتجارة الرقمية، وإن تجاوزت حدود الزمان والمكان، فإنها لا تقوم إلا على فكرة إنسانية خلاقة وروح مبادرة جريئة. أما الطب الذكي، بما يحمله من أجهزة متطورة وخوارزميات دقيقة، فلن يكتمل أثره إلا حين يضع الطبيب بصمته، موجهاً ومرشداً، محولاً المعطيات الجافة الى قرارات تنقذ الأرواح وتعيد الأمل.
التكنولوجيا ليست قوة مستقلة، بل هي أداة تنتظر من الإنسان أن يمنحها الوجهة والمعنى. فالحاسوب مهما تسارع وتطور، يبقى عاجزاً عن رسم الغايات أو ابتكار المقاصد؛ ذلك شأن الإنسان وحده. ومن ظن ان امتلاك الآلة يغنيه عن العقل، فقد حكم على نفسه بالجمود، وأوهم ذاته بقدرة وهمية لا أصل لها.
إن مستقبل الأمم لا يقاس بما تملكه من أجهزة وبرمجيات، بل بما تطلقه من طاقات بشرية قادرة على التوجيه والإبداع. فالأمم التي تدرك إن جوهر القوة في الإنسان لا في الآلة، هي التي تصوغ الغد، وتكتب فصول نهضتها بأحرف من نور. أما التي تركن الى أدواتها دون ان تستثمر في عقولها، فإنها سرعان ما تتخلف عن الركب، وتغدو تابعة بعد أن كانت طامحة.
هكذا يتجلى أن الثورة الرقمية ليست في جوهرها صراعا بين إنسان وآلة، بل هي علاقة تكامل تعيد للإنسان رسالته الكبرى: أن يكون سيد أدواته لا أسيرها، ومرشد مسيرتها لا تابع خطاها. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من مجد، تظل بحاجة الى عقل يضيء لها الطريق، وقلب يسكب فيها الروح، وإرادة تجعل منها جسراً لعبور المستقبل.