المجلس الوطني الكوردي أمام استحقاقات مصيرية

المجلس الوطني الكوردي أمام استحقاقات مصيرية

أحمد آلوجي
يمرّ المجلس الوطني الكوردي في سوريا بمرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخه السياسي، تستدعي مراجعة معمّقة للمسار الذي انتهجه منذ تأسيسه وحتى اللحظة الراهنة. فالتغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ سقوط نظام البعث وصعود التيارات الراديكالية إلى السلطة في دمشق، فرضت على الشعب الكوردي تحديات كبرى تتعلق بالوجود والهوية والحقوق. هذه التحولات دفعت القوى الكوردية إلى البحث عن أطر أكثر تماسكا، وقد جاء كونفرانس السادس والعشرين من نيسان الماضي كإحدى المحطات البارزة التي عكست إرادة جماعية لتوحيد الموقف والخطاب القومي.

إن استحقاقات اللحظة لا تقتصر على إعادة التموضع السياسي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشمل بناء مؤسسات قوية وفعّالة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة. فالمجلس اليوم أمام امتحان تاريخي يحدد مدى قدرته على تمثيل تطلعات الكورد في سوريا، الأمر الذي يتطلب التحول من النهج التقليدي إلى العمل المؤسسي القائم على المهنية والكفاءة. ومن هنا تبرز أهمية المؤتمر المزمع عقده قريبا، بما يمثله من فرصة لإصدار قرارات شجاعة تعيد الثقة إلى جماهير المجلس، وتمنحه القدرة على المبادرة بدلًا من الاكتفاء بردّ الفعل.

لقد أثبتت التجربة أن بقاء المجلس في دائرة النخبة أو ما يمكن وصفه بـ الطابع المخملي يضعف حضوره الشعبي ويحد من تأثيره. لذلك، فإن إعادة الارتباط بالقاعدة الجماهيرية ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل. فالجماهير الكوردية هي الحاضنة الأساسية للمشروع القومي، وهي مصدر الشرعية والقدرة على الصمود. ولعل الخطوة الأولى تكمن في خطاب واقعي يعكس هموم الناس اليومية، مقترنا ببرامج عمل عملية تلامس حاجاتهم وتطلعاتهم.

في هذا السياق، تبدو الطاقات الشبابية مفتاحاً لا غنى عنه لتجديد دماء المجلس. فالشباب بما يمتلكونه من حيوية وإبداع، يشكّلون العمود الفقري لأي حركة سياسية حقيقية. إشراكهم في مواقع القرار ليس ترفا تنظيميا، بل هو رهان على المستقبل وضمانة لولادة جيل قيادي جديد قادر على التعامل مع المتغيرات المتسارعة. إن فتح المجال أمامهم سيمنح المجلس قدرة أكبر على التجدد والاستجابة لمتطلبات العصر.

كما أن توسيع دائرة القيادة ليشمل شخصيات فاعلة من مختلف الشرائح والمناطق سيعزز من مكانة المجلس كإطار جامع لا يحتكر القرار ضمن نخبة محدودة. وفي هذا الإطار، يبرز بشكل خاص ضرورة إشراك قيادات وكوادر من عفرين وكوباني وكورد دمشق في مختلف هيئات المجلس ومؤسساته. فهذا التمثيل المتوازن سيعكس حقيقة التوزع الكوردي في سوريا، ويمنح المجلس مصداقية أكبر بوصفه مظلة قومية شاملة.

إلى جانب ذلك، فإن اعتماد اللامركزية في إدارة المجالس المحلية يشكل خيارا استراتيجيا لتعزيز المشاركة الشعبية. فاللامركزية تتيح اتخاذ قرارات أكثر سرعة وفاعلية، بما يتناسب مع خصوصيات كل منطقة، وتمنح المجالس المحلية القدرة على التفاعل المباشر مع الجماهير. كما أن إشراك كوادر من عفرين وكوباني ودمشق في هذه المجالس سيجعلها أكثر قدرة على معالجة التحديات الميدانية وفق واقعها الخاص.

لا شك أن الأشهر المقبلة ستكون حافلة بالأحداث، سواء في كردستان سوريا أو على مستوى البلاد عموما. فالتطورات السياسية مرشحة لأن تحمل فرصاً جديدة للكورد، لكنها قد تفرز أيضاً مخاطر جمّة. وفي كلتا الحالتين، فإن المجلس الوطني الكوردي مطالب بأن يكون حاضراً وفاعلاً، وأن يمتلك من الجاهزية الفكرية والتنظيمية ما يؤهله للتعامل مع مختلف السيناريوهات بوعي ومسؤولية.

إن مهمة المجلس اليوم باتت واضحة: إعادة بناء البيت الداخلي، الانفتاح على الشباب، توسيع القيادة، ضمان التمثيل المتوازن لمناطق عفرين وكوباني ودمشق، تعزيز المهنية المؤسسية، وتبني اللامركزية كوسيلة للاقتراب من الناس. بذلك وحده يمكن للمجلس أن ينهض بدوره التاريخي، ويثبت أنه الإطار السياسي الجامع الذي يعبر بحق عن إرادة الكورد في سوريا، ويحمي حقوقهم في مواجهة التحولات الكبرى المقبلة.