المجتمع المدني تحت المجهر: الجمعيات بين الالتزام والفوضى
خوشناف سليمان
المجتمع المدني ليس مجرّد شعار يزيّن البرامج أو الخطابات. إنه فضاء حي يختبر فيه الإنسان قدرته على ممارسة الحرية ضمن حدود المسؤولية. حيث تتحقق المساواة الفعلية بين الأفراد. بعيدًا عن الهيمنة أو اختزال العمل إلى منصب أو لقب.
وفق فلسفة المجال العام التي تناولها ألكسيس دو توكفيل وحنّه آرنت. يتعلم الفرد هنا كيف يشارك ويناقش و يتخذ القرارات ضمن شبكة من القيم والالتزامات التي تشكل الحماية الأولى ضد الاستبداد. سواء أكان في الدولة أو في أوساط الجاليات المهاجرة. غياب هذه القيم يحوّل الجمعيات إلى نسخ مصغّرة من سلطة فردية أو نزاع شخصي. ما يؤدي إلى انكماش الطاقات وفقدان الحافز لدى الكوادر النشيطة.
عقلية الجهل والوجاهة.. خطر يقوّض العمل المدني
أخطر ما يهدّد الجمعيات هو انتشار ما يمكن تسميته بـ(نظرية الجهلاء).. أفراد يكرّسون وقتهم لإثبات مكانتهم أو فرض وجاهتهم الاجتماعية بدل خدمة المجتمع. هذه العقلية تحوّل الجمعية إلى ساحة صراعات وتصفية حسابات. وتثبّط الكوادر النشيطة. فيغادرها المخلصون وتفقد الجمعية دورها كمساحة للتعلم والنمو المشترك.
الغيرة والكراهية وتعطيل المبادرات
نجاح المبادرات في المجتمع المدني يقاس بقدرته على الحفاظ على روح المشاركة. غير أن الغيرة من نجاح الآخرين تتحول أحيانًا إلى كراهية منظمة. تتجلى في:
* تضخيم الأخطاء لتقويض جهود المبادرين.
* نشر الشكوك والتشكيك بالكفاءات لإضعاف الثقة بين الأعضاء.
* تعطيل المبادرات عبر العرقلة البيروقراطية أو التشويش على القرارات.
هذه الديناميكية تضعف جودة المشاريع وتزيد النزاعات الداخلية. وتخلق بيئة طاردة للإبداع وروح الفريق.
المسؤولية الأخلاقية والخلط بين القيادة والهيمنة
المبادرة المدنية الحقيقية تقوم على العطاء بلا مقابل. لا على الهيمنة. غير أن البعض يخلط بين التفاني والسلطوية. فيتهم الكوادر النشيطة بالدكتاتورية بدلاً من دعمهم. هذا السلوك يقوّض استمرارية المشاريع ويزعزع ثقة المجتمع. المطلوب ترسيخ وعي مؤسسي يجعل العطاء قيمة أساسية. لا مصدر تهديد.
خطر التكتلات داخل الجمعيات
التكتلات المغلقة داخل الجمعيات تهدد جوهر العمل المدني. فهي تحتكر القرار وتفرض رؤاها. وغالبًا ما تدفع بأشخاص غير مؤهلين إلى مواقع المسؤولية. ما يؤدي إلى فقدان الشفافية وانسحاب الكوادر الفاعلة. وكما تشير حنّه آرنت. ينهار المجال العام عندما تسود الإرادات الفردية الضيقة على حساب الصالح العام.
المجتمع المدني كجسر للاندماج
الهجرة ليست عبورًا جغرافيًا فحسب. بل عبور ثقافي واجتماعي. هنا يظهر الدور الجوهري للجمعيات في:
* توعية المهاجرين بحقوقهم وواجباتهم.
* تنظيم أنشطة ثقافية واجتماعية تخلق جسورًا بين المجتمع الجديد والجالية.
* تمكين الأعضاء من المشاركة في اتخاذ القرار وصناعة المبادرات.
الجمعية التي تفشل في خلق بيئة تشاركية عادلة تتحول إلى أداة هيمنة أو مصدر تعطيل. بدلاً من أن تكون جسرًا للاندماج.
إعادة تأسيس القيم: الطريق إلى عمل مدني حيّ
لتحقيق الفاعلية، لا بدّ من إعادة تأسيس القيم المؤسِّسة للعمل المدني:
* الشفافية في القرارات والأهداف.
* المسؤولية الفردية عن الأفعال.
* التعاون وروح الفريق.
* تمكين الأفراد وتشجيع الابتكار والمبادرة.
هذه القيم تجعل المجتمع المدني قوة للتحرر ومنصة للاندماج. لا نسخة مصغّرة من الاستبداد الذي فرّ منه المهاجرون.
العمل المدني مشروع تحرر طويل النفس
العمل المدني ليس زينة في ديكور الديمقراطية. بل مشروع لإعادة صياغة علاقة الإنسان بالمجتمع. الجمعيات التي لا تركز على تحرير طاقات الناس وتمكينهم تعيد إنتاج الاستبداد في شكل مصغّر.
المطلوب اليوم:
* تدريب وتأهيل الكوادر معرفيًا وقانونيًا.
* تكريس الشفافية وتداول المسؤولية.
* تحديد أهداف واضحة: تعليم. حقوق. تمكين اقتصادي وثقافي.
* استلهام التجارب الناجحة لمنظمات أثبتت أن المجتمع المدني يمكن أن يكون قوة مقاومة للبنى القمعية.