الشرعية بين الخارج والداخل: قراءة في مسارات التمثيل السياسي للمعارضة السورية

الشرعية بين الخارج والداخل: قراءة في مسارات التمثيل السياسي للمعارضة السورية

الدكتور: كاميران حاج عبدو

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية عام ٢٠١١، شكّل سؤال "من يمثل الشعب السوري؟" محوراً أساسياً في النقاشات السياسية والدبلوماسية، داخلياً وخارجياً. وقد تتابعت خلال السنوات اللاحقة محاولات عديدة لتأسيس أجسام سياسية حملت صفة "الممثل الشرعي"، لكنها سرعان ما تهاوت أو تراجعت أمام استحقاقات الواقع، الأمر الذي يكشف بوضوح التناقض بين الاعتراف الدولي والاعتراف الشعبي، وبين الشرعية المفروضة من الخارج والشرعية المنبثقة من الداخل.

جاء المجلس الوطني السوري في خريف ٢٠١١ كمحاولة أولى لتوحيد طيف واسع من المعارضات السورية. لقي في بداياته اهتماماً دولياً وإقليمياً، ورُوِّج له على أنه المظلة السياسية الجامعة للثورة. غير أنّ محدودية قاعدته الداخلية، فضلاً عن تبعيته السياسية والمالية للخارج، سرّعت من انحسار دوره، بحيث تحوّل إلى جسم عاجز عن الفعل، وأشبه بواجهة سياسية أكثر مما هو قيادة حقيقية.

بعد عام تقريباً، جاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١، بدعم مباشر من دول إقليمية وغربية، كمحاولة لتغطية الفراغ السياسي. وفي مؤتمر مراكش الشهير في كانون الأول/ديسمبر من العام ذاته، اعترفت أكثر من ١٢٠ دولة، إلى جانب منظمات وهيئات دولية، بالائتلاف ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري. كان هذا الاعتراف ذروة الدعم الدولي للمعارضة السياسية، إلا أن الائتلاف لم ينجح في استثمار هذا الزخم، إذ واجه بدوره مشكلات في بنيته الداخلية، وانعدام التوافق على رؤية وطنية جامعة، فضلاً عن الارتهان لتجاذبات الخارج وسيطرة الإسلام السياسي على هيكله. ومع مرور الوقت، تقلص حضوره حتى بات أقرب إلى هيئة شكلية منه إلى مؤسسة ذات ثقل فعلي.

لم يقف الأمر عند المجلس والائتلاف. فقد أُنشئت أجسام أخرى مثل الهيئة العليا للمفاوضات (٢٠١٥) واللجنة الدستورية (٢٠١٩)، والتي رُوّج لها كخطوات نحو حل سياسي تفاوضي. لكنها واجهت العقبات ذاتها: غياب الحاضنة الشعبية، تضارب المصالح الدولية والإقليمية، وعدم قدرة هذه الأطر على إنتاج مشروع وطني جامع. لقد بدا واضحاً أن هذه الكيانات لم تُصنع من إرادة السوريين أنفسهم، بل وُلدت في كواليس العواصم الإقليمية والدولية، ولهذا ظل تأثيرها في الداخل محدوداً للغاية، إن لم يكن منعدماً.

في مقابل هذه التجارب السياسية الفاشلة، برزت على الأرض كيانات وحكومات أمر واقع. وقد توجت مؤخراً، بعد إسقاط نظام الأسد/البعث في ٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، بظهور حكومة فرضت نفسها بالقوة العسكرية في ما سُمّي بـ"مؤتمر النصر"، تحت شعارات مثل "من يحرر يقرر". ورغم أن خطاب هذه الحكومة، التي أطلقت على نفسها اسم "المؤقتة"، يسعى إلى الإيحاء بأنها تمثل إرادة السوريين، فإن الواقع يكشف العكس تماماً. فالأحداث في مناطق الساحل السوري، وما تبعها في السويداء، إلى جانب الانتهاكات التي طالت المسيحيين وخطاب الكراهية الموجه ضد المكون الكردي، تؤكد هذا الواقع. الحقيقة أن الفصائل المسلحة، التي تنتمي غالبها إلى الإسلام السياسي والسلفي ومرتهنة في معظمها لقوى خارجية، أبرزها تركيا، هي التي منحت هذه الحكومة وجودها، لا التفويض الشعبي. وبهذا، فإن هذه الحكومة تعيد إنتاج المشكلة نفسها: شرعية مفروضة، لا منبثقة عن إرادة الشعب.

لقد برهنت التجربة السورية، على مدى أكثر من عقد، أن الشرعية الحقيقية لا تُمنح من الخارج ولا تُفرض بالقوة. فالشرعية المستدامة هي تلك التي تُبنى على أساس المشاركة الوطنية الشاملة، وتستمد قوتها من ثقة المواطنين بممثليهم. ومن هنا، فإن أي محاولة لإيجاد حل سياسي أو بناء جسم تمثيلي جديد يجب أن تتجاوز أخطاء الماضي، وأن تنطلق من الداخل السوري نفسه، معبرة عن طموحات الشعب السوري وتنوعه القومي والديني.

الجسم المنشود الذي يمكن أن يؤسّس لشرعية حقيقية لا يمكن أن يكون إلا جمعية تأسيسية، تتشكل من خلال مؤتمر حوار وطني شامل وحقيقي، تشارك فيه جميع الأطياف السياسية والاجتماعية والدينية والقومية. مهمة هذه الجمعية يجب أن تكون إدارة مرحلة انتقالية ذات طابع وطني، تتيح للسوريين فرصة تضميد جراحهم، وتفسح المجال لتأسيس أحزاب ومنظمات مجتمع مدني بإرادة سورية خالصة، بعيدًا عن همسات الخارج وأصابع التدخل الإقليمي والدولي.

إن مرحلة انتقالية بهذا الشكل لا تُعدُّ مجرّد إجراء سياسي، بل هي خطوة تأسيسية لإعادة بناء المجال العام في سوريا على أسس الحرية والمساواة والعدالة. وبذلك تُستعاد الكرامة الوطنية، التي هي الشرط الأول لأي شرعية حقيقية.

علّمتنا التجربة السورية، بكل إخفاقاتها وأوهامها واعترافاتها الدولية التي لم تصمد، أن الحل لا يأتي من كيانات مستوردة ولا من حكومات مفروضة، بل ينبع من إرادة الشعب ذاته. وحدها جمعية تأسيسية منبثقة عن حوار وطني شامل قادرة على فتح آفاق جديدة نحو عقد اجتماعي يحتضن كل المكونات والأفراد، ويعيد للسوريين ما حُرموا منه عقوداً: تمثيلاً حقيقياً، وكرامةً مستعادة، وشرعية لا تزول، مما يؤسس سوريا على أسس العدالة والمشاركة الوطنية الحقيقية.