مكوّنات الشعب السوري وانتماؤها الوطني: قراءة تحليلية

 مكوّنات الشعب السوري وانتماؤها الوطني: قراءة تحليلية

فياض إسماعيل

تزامناً بطوي صفحة المحتل العثماني عن أرض سوريا عام 1918، ارتسمت ملامح سوريا ككيان وطني استثنائي يحتضن تركيبة متشابكة من القوميات والأعراق والأديان، حيث شكّلت هذه التعددية مصدر غنى حضاري بقدر ما كانت مجالاً لتجاذبات سياسية وتاريخية مترابطة، وإن فرادة كل مكوّن قومي اجتماعي وثقافي لم تنفصل يوماً عن المسار العام للدولة، بل أسهمت في رسم ملامح هويتها المتجددة، لتصبح سوريا مختبراً حقيقياً لإمكانات العيش المشترك، فإن أي نقاش جاد حول وحدة الدولة ومستقبلها السياسي لا يمكن أن ينفصل عن إدراك هذه البنية المركّبة التي تمثل، في جوهرها، مفتاح الاستقرار كما قد تكون مصدر التحديات الكبرى ومن هذه المكونات الرئيسة.

أولاً: المكوّن الكُردي:
يمثل الكُرد أحد الركائز الوطنية الأصيلة في سوريا، وأحد الأعمدة الراسخة في صون هويتها وتماسكها، فقد أثبتوا عبر التاريخ أنهم عنصر فاعل في الدفاع عن الوطن، إذ واجهوا ببسالة وعزيمة موجات الغزوات المتعاقبة، من الروماني والبيزنطي والمغولي والمملوكي والعثماني، وصولاً إلى الفرنسي.

في مواجهة ما عانوه من محاولات متكرّرة للتهميش والإقصاء، وسياسات الانصهار والتعريب، فإنهم حافظوا على هويتهم الثقافية واللغوية والاجتماعية المتميزة، في إطار انتماء ثابت إلى وطن موحّد اسمه سوريا.

ومن الحقائق التاريخية المعلومة أنّ الفرنسيين لم يغادروا سوريا بفعل المواجهة العسكرية، بل نتيجة انتهاء فترة الانتداب، وفي تلك اللحظة الفارقة، كانت الظروف مهيّأة أمام الكُرد كي يطرحوا مشروعاً استقلالياً خاصاً، غير أنّهم آثروا التمسك بوحدة سوريا أرضاً وشعباً، مؤكدين بذلك خيارهم الوطني.

ففي مجرى هذا القرن، لم تظهر أي من القوى الكُردية، السياسية والعسكرية، حتى المستقلة منها، نزعة للاستقلال أو دعوة إلى تقرير المصير؛ بل يبقى خطابهم السياسي متمحوراً حول مطلب واضح ومشروع، هو اللامركزية السياسية، بما يكفل تمثيلاً عادلاً وحقوقاً متساوية لجميع مكوّنات المجتمع السوري.

إنّ هذا الموقف، بما يحمله من دلالات، يجسد وعي الكُرد العميق بتاريخهم وبدورهم في صوغ المستقبل، ويعكس إدراكهم لمسؤولياتهم تجاه النسيج الوطني السوري، ولعلّ أبرز ما يميّزهم أنّهم، برغم كل التحديات، ظلّوا عنصر استقرار جوهرياً في بنية الدولة، وركيزة من ركائز صمودها واستمرارها، وشريكاً لا غنى عنه في بناء سوريا العادلة والمتوازنة التي يتطلّع إليها جميع أبنائها.


ثانيًا: المكوّن الدرزي
لم يشهد المكوّن الدرزي في سوريا ما تعرضت له بعض المكوّنات الأخرى، على الأقل في ظل حكم البعث، من تهميش أو استبعاد، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها قربه الاجتماعي والسياسي من الطائفة العلوية الحاكمة وانتماؤه العربي، ما أتاح له درجة من الحماية والتموضع السياسي النسبي.

إلا أنه عندما انهارت السلطة المركزية وتحولت سوريا إلى أزمات قومية أو طائفية، تجلّت لدى المكوّن الدرزي مخاوف مشروعة بشأن مستقبله السياسي وأمنه الاجتماعي، فارتفعت مطالبه إلى مستويات قصوى تتبلور في السعي نحو استقلال سياسي محدود ضمن إطار حماية دولية وحق تقرير المصير

ثالثاً: المكوّن العلوي
تاريخياً، عاش العلويون في عزلة اجتماعية وسياسية نسبية نتيجة موقعهم الجبلي وابتعادهم عن مراكز السلطة، ما جعلهم مجتمعاً مهمشاً يعتمد في معيشتهم على الاقتصاد المحلي والزراعة الجبلية، وقد أسهمت هذه العزلة في بلورة هوية متميزة وحساسية تاريخية تجاه الدولة المركزية، فضلاً عن نشوء توترات مستمرة مع بعض المكونات الأخرى، خصوصاً العرب السنة.

مع صعود "حافظ الأسد" إلى السلطة، شهد المكوّن العلوي تحولاً في موقعه السياسي، بعد قرابة قرن من الحكم السلطوي والتهميش السياسي والاجتماعي الذي عانت منه مختلف المكونات السورية بدرجات متفاوتة، ومع انهياره السلطة، عادت العلوية لتواجه تحديات من التهميش والإقصاء وممارسات العدائية من التيارات العربية السنية، ما دفع المكون العلوي إلى المطالبة بفيدرالية كوسيلة لحماية مصالحهم الطائفية واستقرارهم الاجتماعي والسياسي.

ويجسّد حرص المكوّن العلوي على حماية هويته وضمان أمنه السياسي والاجتماعي ضمن الإطار الوطني السوري.

رابعاً: المكوّن السني
يشكل السنة الأغلبية الديموغرافية في سوريا، غير أن توجهاتهم السياسية تتباين بين الاعتدال والتطرف، أغلب تياراته متطرفة تميل إلى إعادة إنتاج نموذج الخلافة الأموية، مستندة إلى مبدأ حكم الأكثرية على الأقلية، وقد تترافق هذه السياسات مع ممارسات عنف ممنهجة ضد الأقليات العرقية والدينية، مع استمرار هذه الاتجاهات دون ضبط، فإنها تمثل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة السورية والنسيج الاجتماعي والسياسي، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر الانقسامات الداخلية والفوضى المحتملة، بل وإمكانية تقسيم الدولة.

الخلاصة
الموقف الوطني الكُردي مقارنة بالمكونات الأخرى، على النقيض من هذه الديناميكيات، يظل المكوّن الكُردي متمسكاً بوحدة الأراضي السورية، محافظاً على مبدأ الاندماج الوطني، مع المطالبة باللامركزية السياسية لضمان التمثيل العادل وحقوق متساوية لجميع مكونات المجتمع وهذا يعكس وعي الكُرد العميق بتاريخهم ومسؤولياتهم تجاه النسيج الوطني السوري، ويبرزهم كعنصر استقرار جوهري في صون الدولة وحماية التنوع الاجتماعي والسياسي.