عاصمة النور تضيء باسم البيشمركة: شرفٌ رمزي وعهدٌ متجدد بين كوردستان وفرنسا

عاصمة النور تضيء باسم البيشمركة: شرفٌ رمزي وعهدٌ متجدد بين كوردستان وفرنسا

أكرم خلف

لم يكن قرار بلدية باريس إطلاق اسم "البيشمركة" على شارع وحديقة في قلب العاصمة الفرنسية خطوة عابرة، بل رسالة سياسية بليغة تتجاوز حدود الجغرافيا. ففي لحظة مشبعة بالرمزية، اجتمع التاريخ والحاضر لتخليد اسمٍ ارتبط بالشجاعة والتضحية والدفاع عن القيم الإنسانية. باريس، مدينة الحرية والثورة، اختارت أن تمنح البيشمركة مقعدًا دائمًا في ذاكرتها الحضرية، وكأنها تقول للعالم: هؤلاء من وقفوا في الخطوط الأمامية دفاعًا عن الحرية، ليس لشعبهم فقط، بل للبشرية جمعاء.

1. تاريخ طويل من التضامن
ليست هذه الخطوة وليدة اللحظة؛ فالعلاقة بين كوردستان وفرنسا امتدت لعقود، تعمّدت بالمواقف الإنسانية والسياسية. فرنسا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، فتحت أبوابها أمام الكرد ورفعت صوتهم في المحافل الدولية، حتى أصبحت باريس مرجعًا ورمزًا عالميًا لحماية قضايا الشعوب الساعية للحرية. واليوم، يأتي هذا التكريم ليعيد التأكيد على أن جذور التضامن لم تذبل، بل ازداد حضورها عمقًا وشرعية.

2. كلمات تحمل التاريخ
في كلمته خلال المراسم، وصف الرئيس مسعود بارزاني هذا الحدث بأنه "يوم تاريخي لشعب كردستان"، مشيرًا إلى أن البيشمركة قدّموا ما يقارب اثني عشر ألف شهيد في الحرب ضد داعش. وأضاف: "هذا التقدير العظيم من فرنسا لن يُنسى، وسنظل ممتنين للأمة الفرنسية."
من جانبها، أكدت عمدة باريس آن هيدالغو أن "البيشمركة يستحقون أن يكونوا جزءًا من خريطة باريس"، معتبرة أن وجود شارع وحديقة باسمهم "يجسّد قيم الحرية التي يتشاركها الشعبان الكردي والفرنسي."

3. توقيت مدروس ودلالات واضحة
اختيار هذا التوقيت لم يكن مصادفة؛ ففي ظل التوترات العالمية وصعود التحديات الأمنية، يذكّر اسم البيشمركة بدورهم المفصلي في هزيمة داعش. فرنسا أرادت أن توجّه رسالة مزدوجة: وفاء لشعب قاتل الإرهاب بدمائه، وإصرار على أن الذاكرة الجماعية الأوروبية يجب أن تحافظ على أسماء من حموا قيمها في الميدان.

4. رسالة للشعبين
للشعب الكردي: هذا الاعتراف الدولي ليس مجرد تكريم، بل هو تثبيت لتضحياتٍ كُتبت بالدم وأصبحت جزءًا من تاريخ الإنسانية.
للشعب الفرنسي: التسمية تذكير بأن معركة البيشمركة لم تكن بعيدة عن باريس، بل كانت جزءًا من الدفاع عن قيم الجمهورية ذاتها في مواجهة الإرهاب.

5. المستقبل: أكثر من اسم
شارع "البيشمركة" في باريس لن يكون مجرد لوحة معدنية على جدار، بل سيغدو شاهدًا حيًا على علاقة استراتيجية بين أربيل وباريس. إنه جسر رمزي مفتوح أمام الأجيال المقبلة، ورسالة بأن نضال الحرية لا يندثر، بل يتوارث كإرث إنساني مشترك. وقد يصبح هذا الفضاء مستقبلًا ملتقى ثقافيًا وسياحيًا يعكس روح التضحيات ومعانيها.

خاتمة
باريس، عاصمة النور، اختارت أن تضيء باسم البيشمركة، لتخلّد شجاعة من "واجهوا الموت" وكتبوا تاريخًا جديدًا في مواجهة الظلام. إنها لحظة تلتقي فيها ذاكرة كردستان مع روح فرنسا، لتعلن أن طريق الحرية طويل، لكنه يستحق أن يُحفر في وجدان الأمم.