دولة بلا وطن.. سوريا نموذج صارخ
عمار علي
سوريا تلك البقعة الجغرافية المحددة بعد اتفاقية سايكس بيكو والمعترف بها أممياً ككيان دولي يمارس سلطاته وقوانينه على تلك الأرض رغماً عن كل من يعيش فيه، وهو ما منحها صفة الدولة على ضوء ما تتضمنه الأدبيات السياسية لتعريف الدولة بكونها كياناً سياسياً ذا حدود معترف بها دوليًا، يمارس السلطة عبر مؤسسات رسمية، أما الوطن، فهو مفهوم وجداني وثقافي قبل أي شيء آخر، فهو يُبنى على الانتماء، والذاكرة الجمعية، والروابط الاجتماعية.
في السياق السوري، حيث ساهمت اتفاقية سايكس بيكو، والسياسات السلطوية، والانقسامات الطائفية في منع تشكُّل وطن حقيقي، لمكوّنات المنطقة وصولاً إلى الثورة السورية كمحاولة فاشلة لإعادة بناء هذا الوطن. يظهر التناقض بشكل صارخ، بين الدولة السورية كوحدة سياسية نشأت في سياق استعماري، وبين غياب الوطن كمفهوم جامع للسكان. حيث تأسست الدولة دون أن يُمنح السوريون فرصة لبناء وطن، فسوريا لم تكن يوماً ما وطناً للسوريين بمختلف اثنياتهم وطوائفهم وأعراقهم ممن لم يشعروا يوماً ما بانتمائهم الوطني أو بعادات جامعة لهم أو ثقافة موحدة وذكريات جمعية سوا ذكريات الالم والحسرة من بعضهم البعض.
سوريا على مر المئة عام منذ انشائها، لم تشهد حماية لكرامة الناس ولم شملهم وردع الاعتداءات من خارج الحدود انما كل ما جرى خلال تلك العقود كانت تناحرات بين مكوناتها المختلفة وفرض سلطة الجزء على الكل المدمج قسرا على بقعتها الجغرافية المصطنة بقوة السلاح.
إن ما شهدناه، ونشهده من إقصاء وإنكار، وبطش وقتل ودمار على مدى توالي الأنظمة الحاكمة لهذه الدولة، يدلُّ على أن مَن صنع هذه الكعكة وأسماها دولة، قرر أن تكون دولة غير مستقرة يقتل شعوبها بعضها بعضاً، وينتشر فيها الجهل والقبلية والانانية، حتى لا تقوم لها قائمة في يوم.
ما يجري الآن في السويداء وقبلها في مدن الساحل السوري ومجازر الكنائس ومحاولات تمرير المخطط نفسه في المناطق الكوردية في ظل مساع حثيثة من جانب مصادر قرار دولية الا تكريس وإعادة إنتاج سايكس بيكو بنسخة مستحدثة في تثبيت الدول ومنع تشكل أوطان قد تبلورت نواتها في خضم الأحداث العاصفة التي مرت بها الثورة السورية، وانتفضت ضد السياسات التي كانت تنتهجها السلطات الحاكمة لفرض سيطرتها على عموم أراضي دولة سوريا، كما يطالب بها الحكام الجدد حيث كان من المحتمل إزالة الركام عن حدود أوطان شعوب المنطقة وإطلاق حرياتها، التي ستجعل من أوطانها دولاً قوية تحمي شعوبها، وتحترم جيرانها، وتفعل المستحيل لتكون في المقدمة واقليم كوردستان المثال الحي على ما ذهبنا اليه.
ربما لم يسمحوا هذه المرة أيضاً. لكن الحلم سيبقى حياً، وسيتحقق رغماً عن أي سلطات ستحكم الدولة.