بين آذار العراق ومارس سوريا: هل يتكرر السيناريو؟ عودة الى اتفاق مارس

بين آذار العراق ومارس سوريا: هل يتكرر السيناريو؟ عودة الى اتفاق مارس

كاوا رشيد

شهر آذار/مارس ليس مجرد فصل ربيع في الذاكرة الكردية، بل هو شهر تتقاطع فيه الأفراح والمآسي. ففيه يحتفل الكرد بعيد نوروز رمز الحرية والتجدد، وفيه أيضاً وقعت أهم المحطات السياسية في تاريخهم الحديث. ففي 11 آذار 1970 وقّعت الحكومة العراقية اتفاقاً تاريخياً مع الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، اعترف بالهوية الكردية ومنح وعوداً بالحكم الذاتي لكنه انهار بعد خمس سنوات فقط لتعود الحرب من جديد.
وفي آذار أيضاً تستحضر الذاكرة الكردية صور حلبجة والأنفال1987 انتفاضة قامشلو 2004 حيث امتزجت رائحة الربيع برائحة الغازات السامة والدم، فتحوّل الشهر الذي يرمز للحياة إلى شاهد على المأساة.
بعد أكثر من نصف قرن، يعود آذار ليطرق الأبواب من جديد، وهذه المرة في سوريا. ففي مارس 2025 تم التوقيع على اتفاق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي. وكأن هذا الشهر يصرّ على أن يكون موعداً متكرراً لاختبار العلاقة بين الكرد والدولة المركزية بين الأمل في بناء شراكة وطنية جديدة، والخوف من أن يعيد التاريخ نفسه
كلا الاتفاقين جاء بعد سنوات من نزاع دموي استنزف الدولة والمجتمع. ففي العراق 1970 اعترفت الحكومة بالهوية القومية الكردية، ومنحت وعوداً بالمشاركة في الحكم والجيش. أما في سوريا 2025، فقد نص الاتفاق على دمج مؤسسات قسد في الدولة، وضمان الحقوق الدستورية للكورد، إضافة إلى عودة النازحين ووقف خطاب الكراهية.
القاسم المشترك هو محاولة الدولة المركزية استيعاب الشعب الكري بدل مواجهته، وتقديم الاتفاق كبديل عن الانفصال وضمان للاستقرار.
لكن الفوارق واضحة. فالعراق في السبعينيات كان دولة مركزية قوية نسبياً، بينما سوريا اليوم تعيش مرحلة انتقالية لإعادة بناء مؤسساتها. كما أن اتفاق العراق جرى بقرار داخلي بالدرجة الأولى، بينما تحيط بالملف السوري تعقيدات إقليمية ودولية من تركيا إلى الولايات المتحدة.
الأهم أن اتفاق 1970 لم يُطبَّق بجدية، فانتهى إلى انهياره وتجدُّد الحرب. أما اتفاق 2025 فما يزال في بداياته، وتحدي التنفيذ سيكون الاختبار الحقيقي.
إنَّ اتفاق مارس 2025 في سوريا ليس حدثاً عابراً في مسار السياسة المحلية، بل محطة مفصلية تحمل بين طياتها إرث عقود من الصراع الكردي – المركزي في المنطقة. فهو من جهة يعكس إدراكاً متزايداً لدى الدولة السورية بضرورة إشراك المكوّن الكردي ضمن بنية وطنية جديدة، ومن جهة أخرى يعبّر عن استعداد الكرد لتجريب طريق الشراكة بدل الانعزال أو الصدام المستمر.
لكن التجربة العراقية عام 1970 تذكّرنا أنَّ الاعتراف على الورق لا يكفي. فقد انهارت تلك الاتفاقية لأن الثقة كانت ضعيفة، ولأن المصالح السياسية لحكومة بغداد آنذاك تغلّبت على التزاماتها. إذا تكرر السيناريو ذاته في سوريا، فإن البلاد ستدخل دورة عنف جديدة، ربما أكثر تعقيداً بحكم تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين.

في المقابل، يمكن أن يشكّل اتفاق 2025 فرصة تاريخية نادرة: فرصة لتجنيب سوريا مصير الانقسام، ولإعادة رسم عقد اجتماعي أكثر شمولاً. لكن هذا يتوقف على عوامل أساسية:
• مدى جدية الدولة في تحويل النصوص إلى واقع ملموس عبردستور جديد بعيد عن المركزية الديكتاتورية والدعوة لمشاركة الجميع بصياغته.
• استعداد قسد للاندماج ضمن مؤسسة وطنية لا تعمل بعقلية الكيان الموازي.
• ضمان أن يكون المجتمع الدولي مراقباً مشجعاً، لا مجرد لاعب يوظّف الاتفاق كورقة ضغط.
• والأهم: أن يلمس المواطن العادي في الحسكة والرقة وقامشلي ودمشق أن الاتفاق غيّر حياته نحو الأفضل

إن آذار الكردي – بما يحمله من رمزية النوروز والاتفاقات والمجازر – يضع السوريين أمام خيارين متناقضين: إما أن يكون مارس 2025 بداية عهد جديد يفتح صفحة سلام داخلي طال انتظاره، أو أن يكون مجرد تكرار مأساوي لدرس قديم لم نتعلمه بعد.