كوردستان بين واقعية الدولة ومشاريع الصراع: قراءة في تجربة الحزب الديمقراطي الكوردستاني
إبراهيم حاج صبري
تُعدّ كوردستان، الممتدة جغرافيًا عبر العراق وسوريا وتركيا وإيران، إحدى أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط، نظرًا لموقعها الجيوسياسي وأهميتها في معادلات الطاقة والأمن والصراع الدولي. وعلى الرغم من أنّ الكرد يُشكّلون واحدة من أكبر القوميات في العالم من دون دولة مستقلة، فإنّ حضورهم السياسي بات فاعلًا ومؤثرًا في العقدين الأخيرين، سواء في الحرب على الإرهاب أو في بناء كيانات سياسية متقدمة.
في هذا السياق، برز إقليم كوردستان بوصفه النموذج الأكثر نجاحًا واستقرارًا، حيث استطاع، بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أن يتحوّل منذ عام 1991 إلى كيان سياسي مؤسساتي يتمتع بحكومة وبرلمان وقوات أمنية، مع شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية.
يُعدّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني صاحب الدور الريادي في بلورة المشروع القومي الكردي في العراق، إذ جمع بين الواقعية السياسية والطموح القومي، فعمل على بناء مؤسسات إدارية وتعليمية وأمنية، وربط الإقليم بعلاقات اقتصادية قوية مع المحيط، ولا سيما تركيا، ما وفّر قاعدة نسبية للاستقرار والنمو. كما أنّ قوات البيشمركة المرتبطة بالإقليم أدت دورًا محوريًا في محاربة تنظيم داعش، الأمر الذي أكسب الإقليم احترامًا دوليًا واسعًا ورسخ صورته كحليف أساسي في قضايا الأمن الدولي.
لقد شكّل استفتاء الاستقلال عام 2017 محطة فارقة في مسار الحركة القومية الكردية. فرغم الرفض الإقليمي والدولي الذي واجهه الاستفتاء، والتداعيات المعقّدة التي أعقبته، فإن تعامل الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع النتائج أظهر مرونة سياسية عالية، حيث تجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وسعى بدلًا من ذلك إلى إعادة صياغة العلاقة مع بغداد ضمن أطر جديدة. هذا الموقف البراغماتي عزّز من مكانة الإقليم كطرف عقلاني قادر على الموازنة بين الطموحات القومية ومقتضيات الواقع الدولي.
على الجانب الآخر، لا يزال المشهد الكردي يشهد تحديّات داخلية تتمثل في وجود قوى مسلحة ذات طابع عابر للحدود، تتبنى نهجًا مختلفًا يقوم على الصراع المسلح بدلًا من بناء المؤسسات. هذا الوجود أوجد حالة من التوتُّر المستمر، إذ تستخدمه بعض الدول الإقليمية مبررًا لتدخلاتها العسكرية والسياسية في إقليم كردستان، مما يُضعف الموقف الكردي العام ويجعل الإنجازات السياسية مهددة بالتراجع.
أما في غرب كوردستان، فقد ظهرت منذ عام 2012 تجربة الإدارة الذاتية عقب انسحاب النظام السوري من بعض المناطق الكردية. لكن ظل مشروعها محاطًا بعزلة دبلوماسية واضحة بسبب طبيعته الأيديولوجية والعسكرية، إلى جانب ارتباطاته بتنظيمات إقليمية محل جدل. هذا الوضع جعل غرب كوردستان أكثر عرضة للتدخلات التركية، التي شنت عمليات عسكرية متكررة على أراضيها بدعوى حماية أمنها القومي. ومع أن هذه العمليات واجهت اعتراضات محدودة، فإنها لم تُقابل بموقف دولي رادع، ما كشف هشاشة الوضع السياسي والدبلوماسي للإدارة القائمة.
إن التبايُن الواضح بين نموذج إقليم كوردستان، القائم على الواقعية السياسية وبناء المؤسسات، ونماذج أخرى تتسم بالتركيز على الخيار العسكري، يُمثل عاملًا رئيسيًا في إضعاف الموقف الكردي الموحد. فقد استثمرت القوى الإقليمية هذا الانقسام لتبرير تدخلاتها وإبقاء القضية الكردية في دائرة التوظيف السياسي والأمني. وفي المقابل، استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يقدّم مشروعًا أكثر قبولًا على المستويين الإقليمي والدولي، بوصفه نموذجًا قابلًا للتطوير، يوازن بين الطموحات القومية ومتطلبات الشرعية الدولية.
إن مستقبل الكرد مرهون بقدرتهم على تعميم التجربة الإيجابية لإقليم كوردستان، وتحييد العوامل التي تمنح القوى الإقليمية ذريعة للتدخُّل. فالمجتمع الدولي لن يمنح اعترافًا حقيقيًا إلا لمشاريع قومية قائمة على الاستقرار وبناء المؤسسات والانفتاح السياسي، وهو ما يجعل من تجربة الحزب الديمقراطي الكوردستاني نموذجًا يمكن البناء عليه في مسار طويل نحو الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي.
كوردستان، إذن، ليست مجرّد جغرافيا متنازع عليها، بل ساحة مركزية لتوازنات الشرق الأوسط. ويبقى الخيار الحاسم أمام الكرد هو تغليب نموذج الدولة والمؤسسات الذي أثبت نجاحه.