تربية الأطفال بين دفء الأسرة ورؤية المدرسة
ميسرة درويش
تربية الطفل ليست مهمةً فردية تقع على عاتق طرف واحد، بل هي منظومة متكاملة تنمو بقدر ما ينسجم البيت مع المدرسة. فالأسرة تمنح الطفل جذوره الأولى، والمدرسة تمنحه الأجنحة التي يحلّق بها، وبين الجذور والأجنحة تتشكل شخصيته.
الأسرة: الحاضنة الأولى للقيم
داخل البيت يتعلّم الطفل معنى الحنان، وكيفية احترام الآخرين، ويكتشف لغته الأولى في التعبير عن الحب أو الغضب. الأسرة ليست مجرد مكان للنوم والطعام، بل هي معمل صغير للقيم، حيث يختبر الطفل أولى خبراته في التعاون، والمسؤولية، واحترام القواعد.
المدرسة: ساحة التجريب وتوسيع الأفق
حين يدخل الطفل المدرسة، ينتقل من دائرة الأسرة الضيقة إلى فضاء أوسع. هنا يكتشف أن العالم ليس فقط أبًا وأمًا وأخوة، بل مجتمعًا متنوعًا من زملاء وأساتذة. المدرسة ليست لتلقين المعرفة فحسب، بل هي ميدان لتجريب ما تعلمه في البيت. فإذا كان قد تعلم في أسرته معنى الصدق، فالمدرسة تختبر صدقه حين يغريه الغش. وإذا تعلم المشاركة، فالمقاعد والأنشطة هي الامتحان الحقيقي لهذه المشاركة.
عندما يلتقيان: بيت ومدرسة في حوار
المشكلة الكبرى في التربية تظهر عندما يتباعد خطاب البيت عن خطاب المدرسة. فلو ربّت الأسرة طفلها على التسامح بينما يغرس النظام المدرسي التنافس العدواني، سيعيش الطفل انقسامًا داخليًا. والعكس صحيح: إذا كان البيت مصدر فوضى والمدرسة تدعو إلى النظام، سيشعر الطفل بتناقض مؤلم.
الحل هو جسر تواصل دائم: اجتماعات دورية بين الأهل والمعلمين، تبادل الملاحظات، واعتبار نجاح الطفل مسؤولية مشتركة لا ينفرد بها طرف.
نحو تربية متوازنة
الطفل يحتاج أن يرى أن والديه ومعلميه يتحدثون لغة واحدة: لغة احترامه، وتحفيزه، ومنحه مساحة للخطأ والتعلم. عندها فقط يدرك أن التربية ليست أوامر متناقضة، بل رحلة واحدة يقودها أكثر من ربان، لكن باتجاه ميناء واحد: بناء إنسان متوازن، واثق، قادر على مواجهة الحياة.