2026...الأرض بتتكلم كردي
شيروان إبراهيم
في بداية عام 2011، أُعيد انتشار أغنية «الأرض بتتكلم عربي» على بعض المنصات الإعلامية تناغمًا مع ثورات الشعوب العربية تحت وطأة الديكتاتورية.
بدا العالم يومها وكأن الأرض فعلًا تتكلم بالعربي. رافقت المآسي تلك الثورات كما يحدث غالبًا، لكن صرخة الحرية بعد عقود لا بدّ أن تدفع ثمنًا وأنت ترى ديكتاتوراً يسقط تلو الآخر. ثم جاءت أحداث 7 أكتوبر لتفرض على القوى الداعمة لإسرائيل ضرورة إنهاء ملفات عالقة منذ أواخر 2010.
شهد عام 2025 تغييرات جذرية في سياسات النظام العالمي بالشرق الأوسط: إنهاء قيادة فصائل مسلحة عاثت فسادًا، إسقاط الأسد، وإبعاد إيران عن دول عديدة، إلى جانب ما سُمّي بـ«فرض السلام بالقوة» الذي انتهجه الرئيس الأمريكي ترمب.
المنطقة اليوم تُعاد هندستها، بالقوة أو بالرضا: لاعبون يغادرون نهائيًا، وآخرون يبقون بشروط، ولاعبون جدد يدخلون الميدان. الكورد في مقدمة هذه التشكيلة؛ لا يطلبون إزاحة أحد، بل حضورًا عادلًا في الملعب، ولكلٍّ حجمه وحقه وواجبه.
واكب الكورد هذه التحوّلات بتمعّن. لم يعد الوعي الجمعي يقبل تكرار فشل الماضي: تشرذم الخطاب من جهة، وخسارة ثمار الثورات على طاولات التفاوض من جهة أخرى. في 2025 بدأ الكورد يمارسون السياسة بإتقان بعد قرن من الخيبات. سبق أن سُجّلت نجاحات لافتة لشخصيات وأطراف كردية، لكنها بقيت متفرّقة أو محصورة بها؛ أمّا اليوم فبات النجاح مترابطًا وعابرًا للحدود، كالقضية نفسها التي تتواجد في دول عديدة.
في كوردستان العراق استعادت القيادة الكوردستانية مكانتها وعلاقاتها بعد الطعنات التي تعرضت لها عقب استفتاء 2017، وآثار الحرب على الإرهاب، ونتائج 16 أكتوبر، وجائحة كورونا، وممارسات الكتلة المتشددة في سلطة بغداد. الآن، لم تعد أربيل كما كانت فحسب، بل أقوى، مجسِّدةً قول: «الضربة التي لا تقتلك، تقوّيك».
في كوردستان تركيا انخرط الكورد بجديّة في عملية السلام وأظهروا استعدادًا عمليًا للتسوية. لم يخسروا شيئًا، ولم يتنازلوا عن وجودهم، بل أزاحوا الحجج حتى أمام أكثر الأصوات تطرُّفًا ضدهم، رامين الكرة في ملعب القيادة التركية، بطريقة لاقت ترحيباً عالمياً واسعاً في ظل السعي الدولي الذي يفرض على تركيا إعادة تموضع في خريطة النفوذ الجديدة بما يرضي الجميع.
في كوردستان سوريا، وللمرة الأولى منذ تأسيس الدولة السورية، اجتمعت القوى الكوردية الفاعلة ووقّعت «وثيقة وحدة الصف الكوردي». لم تكن الوثيقة مجرّد مطالبَ قوميةٍ، بل رؤية شاملة لسوريا وللكورد داخلها. ورغم اختلاف البرامج والطموحات، فإن بنودها قابلة للتطبيق وليست طوباوية أو شعبوية؛ وقد تبنّت أطراف سورية أخرى- بعضها كان معارضًا سابقًا-المطالب ذاتها.
أما كورد إيران فما زالوا تحت نيران نظام مستبد، لكنهم يقتربون من أقرانهم في سوريا وتركيا بخطاب موحّد ومطالب أساسية متفق عليها، مع استعداد لأي تغيير دون تهوّر قد يحوّلهم إلى وقود أو أداة ضغط.
لم تعد أربيل «العاصمة الثانية للعراق» فحسب، بل غدت واحدة من أهم عواصم المنطقة حيث تتقاطع مصالح إقليمية ودولية. منذ استقبال الرئيس مسعود بارزاني للجنرال مظلوم عبدي من جهة، ووفد إيمرالي من جهة أخرى، صارت أربيل/هولير بوابة التعامل الدولي مع الشأن الكوردي في عموم المنطقة.
وجود بوابة مشتركة للكورد يعني أن الهدف بات قريبًا. في القرن الماضي عانوا خذلان القوى الكبرى أولاً وانقسامهم الداخلي ثانياً؛
أما اليوم فتتسابق القوى الكبرى لدعمهم، ويتسابق الكورد لتوحيد كلمتهم. وإذا استمرّ المسار كما هو، فقد يكون 2026 العام الذي فيه… الأرض بتتكلم كردي.