الأخوّة الحقيقية تُبنى على المساواة لا على القمع
كاميران حاج عبدو
تُعدّ القضية الكردية في تركيا من أكثر القضايا السياسية والاجتماعية تعقيداً في المنطقة. ويُقدّر تعداد الشعب الكردي هناك بما يقارب ثمانية عشر مليون نسمة، إلا أن غياب الاعتراف الرسمي بوجودهم يجعل تحديد العدد الحقيقي أمراً صعباً.
على الرغم من هذه الكثافة السكانية، ما زال الكرد حتى اليوم يواجهون سياسات الإنكار والتمييز والاضطهاد، ما يجعل مطالبهم الوطنية والحقوقية موضوع صراع مستمر على المستويين الداخلي والإقليمي.
فالدستور التركي لا يعترف بوجودهم أصلاً، بل جرى اختزالهم لعقود بلقب «أتراك الجبال». وحتى المكتسبات التي حققها الكرد خارج تركيا لا تلقى ترحيباً من أنقرة؛ فإقليم كوردستان العراق، وهو كيان دستوري وفيدرالي معترف به، يُصرّ الخطاب الرسمي التركي على تسميته «إدارة شمال العراق». أما في سوريا، فجوهر السياسة التركية يقوم على منع الكرد من الوصول إلى أي مكسب يضمن وجودهم وحقوقهم في إطار دولة ديمقراطية تعددية.
وبينما يرفع الرئيس رجب طيب أردوغان بين الحين والآخر شعار التآخي والتلاحم في خطابه السياسي، تظلُّ السياسات على الأرض بعيدة عن هذه الصورة المثالية. وهنا تبرز المفارقة الجوهرية: هل يمكن للأخوة أن تُبنى على الهيمنة والإقصاء، أم أن معناها الحقيقي لا يتحقق إلا بالمساواة والاعتراف بالآخر؟
مع كلّ أزمةٍ سياسيةٍ أو استحقاق انتخابي في تركيا، يعود أردوغان إلى استخدام خطاب عاطفي شعاراتي لكسب الشارع وتخفيف التوترات. وفي قلب هذا الخطاب يتكرّر الحديث عن الكرد، تارة بوصفهم «إخوة»، وتارة أخرى كتهديد ينبغي احتواؤه أو ملاحقته. ومؤخراً نُسب إليه قوله: «الكرد أينما كانوا هم إخواننا، ولا أحد يستطيع أن يفرق بيننا». عبارة قد تبدو إنسانية للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما تتناقض مع السياسات الفعلية التي تمارسها أنقرة داخل تركيا وخارجها.
فهل هكذا تكون الأخوة؟ أهي الأخوة أن يُحرم الملايين من لغتهم وثقافتهم، وأن يُقابل نضالهم السياسي من أجل الحرية والعدالة والمساواة بالقمع والسجون؟ أهي الأخوة أن يُلاحقوا حتى خارج الحدود، وأن تُستهدف مناطقهم، وتُفرض عليهم سياسات عدوانية، كما حدث في منطقة عفرين حيث شُنت عمليات عسكرية وأُجبر السكان على النزوح، وتمت محاولات جمة على مدار سبع سنوات لتغيير التركيبة الديموغرافية والجغرافية للمنطقة؟
إذا كانت هذه هي «الأخوة» التي يقصدها أردوغان، فهي ليست سوى علاقة قوة يسعى طرف لفرض هيمنته، ومحو الآخر من الوجود.
إن مفهوم الأخوة في جوهره يقوم على المساواة والاحترام المتبادل. حين يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، وحين تُصان الكرامة الإنسانية بلا استثناء، عندها فقط يمكن الحديث بصدق عن «الأخوة». وما عدا ذلك ليس إلا تفرقة مُغلّفة بشعارات براقة.
لعلّ من المهم التوقّف عند مصطلح «أخوة الشعوب» نفسه، فهو برأيي تعبير غير دقيق. فالشعوب ليست «إخوة» بالمعنى الحرفي، بل هي مكونات متمايزة بهوياتها وثقافاتها وتاريخها. ما يجمعها ـ إن أرادت العيش المشترك ـ هو إطار من المساواة والتعاضد، سواءً كجيران تجمعهم الجغرافيا والمصالح، أو كمكوّنات في دولة واحدة تقوم على العدالة والاحترام المتبادل. هذا أكثر واقعية وصدقية من التعلق بشعار «الأخوة» بينما تُمارس السياسات ما يناقضه.
إن الخطاب السياسي قد يُغري بشعارات الأخوّة والوحدة، لكنه يظل عاجزاً عن إخفاء الحقائق الملموسة. فالأخوة لا تُبنى على القمع، ولا على الوعود العابرة، بل على قاعدة راسخة من المساواة والعدالة والاعتراف بالحقوق.
وإذا أرادت تركيا أن تتجاوز أزماتها الداخلية والإقليمية، فإن الطريق يبدأ بالاعتراف بالكرد شركاء كاملين في الوطن، لا مجرد موضوع لخطابات انتخابية. عندها فقط يمكن الحديث عن أخوة صادقة تُترجم إلى تعايش مستقر، بدل أن تبقى مجرد شعار سياسي سرعان ما يتبخر عند أول اختبار. فلا أخوة بلا مساواة، ولا تعاضد بين جيران بلا احترام الحقوق و«تصفير» المشكلات.