ينبغي الاقتداء بحكمة «غريغوريوس»
علي جزيري
يُقرُّ المتحدّث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان هيثم مناع، بالمنشأ الاستعماري لسوريا والتي تتحكم بمصير الكرد. ففي (سيفر) أقرت بريطانيا وفرنسا بحق الكرد في تقرير مصيرهم، لكنهما سرعان ما أجهضتا أحلامهم. ويضيف: إن إلحاق جزء من كوردستان بسوريا وآخر بالعراق، لم يكن للعرب يدٌ في تلك الطبخة، بخلاف تركيا وإيران المحتلتين.
وفي سوريا، شارك الكرد في النضال الوطني منذ نشوئها، والتاريخ يشهد على هذا؛ ثم جرّدت سلطات دمشق شريحة من جنسيتهم، فأحدثت شرخاً بين العرب والكرد، ثم انتهج البعث سياسته الاقصائية تجاههم، وأقام الحزام العربي في الجزيرة، ناهيك عن التعريب والتغيير الديموغرافي، رغم أن الحركة الكردية مارست النضال السلمي لنيل الحقوق القومية المشروعة. وطالت سياسة التعريب البشر والحجر، فعلى سبيل المثال لا الحصر (Çiyayê Kurmênc)، سميت "كرداغ" في العهد العثماني، ثم "جبل الأكراد" في عهد الانتداب الفرنسي، ثم "جبل العروبة" في عهد آل الأسد.
روى الشيخ معشوق الخزنوي حكاية أربعة أخوة ورثوا أرضاً عن أبيهم؛ وحين صمم صغيرهم تأدية مناسك الحج، أوصى أخوته برعاية أسرته. ولما عاد، فوجئ أنهم قسموا الأرض بينهم تحت رعاية إمام القرية وحرموه من الميراث، فاستمات لاسترداد حقه المسلوب بالحسنى، لكنهم وقفوا له بالمرصاد، مما اضطَّر أن يقاوم بأضعف الايمان. وتناهت إلى ذهنه فكرة طريفة مادام لايمتلك القوة الكافية لانتزاع حقه، فاعتاد الخروج كل ليلة بعد أن يخلد أخوته إلى النوم، وبإحدى يديه العصا وبالثانية صفيحة "تنك"، وراح يطوف ببيوتهم بيتاً بيتاً، ويدق الصفيحة لازعاجهم، وهو يردد: لن أدعكم تناموا قرير العين بعد اليوم...!
وقال الشيخ الشهيد: الأخوة هاهنا يجسدون (الترك والفرس والعرب)، بينما يمثل (الكرد) صغير القوم، أما إمام القرية فيوحي إلى الإرادة الدولية يومها (عصبة الأمم). وتفصح الحكاية أن الأوضاع لن تستقر في سوريا، من دون حل يضمن الحقوق القومية للكرد بالعدل والمساواة.
اليوم، ها هم «التكفيريون» يمارسون الإرهاب إنطلاقاً من «الفتاوي» التي أصدرها أمثال ابن تيمية منذ قرون، والتي تقتضي جزَّ رؤوس الآخرين وإزهاق أرواحهم وسبي نسائهم ونهب ممتلكاتهم بدم بارد، وما جرى في الساحل السوري والسويداء بحق العلويين والدروز، وفي الأمس القريب بحق الكرد الايزيديين في شنكال يؤكد ما ذهبنا إليه. إن هذه الانتهاكات التي ترتكبتها قوى الظلام تدفع القارئ للتساؤل: وما العمل؟
نعتقد أن الحل الأمثل في بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب يكمن في الاتفاق على عقد اجتماعي - سياسي جديد، أعني دستور يُفضي إلى دولة مدنية وفيدرالية على أسس ديمقراطية في الإطار الجغرافي لسوريا منذ سايكس - بيكو، أما استحواز فئة واحدة بالسلطة وفق وهمٍ مضلل: «مَنْ يُحرّر، يُقرّر» وقمع سائر المكونات، فيفتح الآفاق لتدمير البلاد والعباد. من هنا بات اقتداء حكامنا بعدالة البطرك غريغوريوس في دمشق إبان الحرب العالمية الأولى إبان المجاعة، وإقدامه على مدِّ الناس بالخبز مجاناً دون تمييز بين أتباع هذا الدين أو ذاك، بعد شرائه القمح بمقتنيات الكنيسة من ذهب وفضة، فأنقذ بذلك الأرواح من شبح الموت. ويُحكى أن أحدهم أومأ له أن يستفسر أحد طالبي الرغيف عن دينه، فأخذ البطرك رغيفاً: ويحك هل كتب عليه هذا للمسيحيين فقط؟ أتريد إذلال الجائع؟