العراق أمام مفترق الطرق، إما الفوضى أو الدولة
أحمد آلوجي
يشهد العراق في المرحلة الراهنة حالة من التوتر السياسي والأمني تتقاطع فيها العوامل الداخلية مع المؤثرات الإقليمية والدولية. فالمعادلة العراقية لم تعد محصورة في التنافس الحزبي أو الخلافات المذهبية، بل تحوّلت إلى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه حسابات قوى إقليمية ودولية، بينما يعاني المواطن العراقي من انسداد الأفق السياسي وتدهور الخدمات وغياب الأمن المستقر.
أحد أبرز عناصر الإرباك يتمثل في النفوذ الإيراني عبر الحرس الثوري وأذرعه داخل العراق، والمتمثلة بالفصائل المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي. هذه التشكيلات التي كان يفترض دمجها في مؤسسات الدولة تحولت إلى قوة موازية تحمل ولاءات خارجية وتفرض أجندات تتناقض مع السيادة الوطنية. والأخطر أنها باتت هدفاً محتملاً لضربات إسرائيلية أو أمريكية، الأمر الذي ينذر بجعل العراق ساحة مواجهة بالوكالة يدفع الشعب ثمنها. ومع الانسحاب الأمريكي الجزئي من بعض قواعده باتجاه إقليم كوردستان، وغرب كوردستان، تتعاظم المخاوف من أن يملأ هذا الفراغ نفوذ الجماعات المسلحة، وما قد يترتب على ذلك من صدامات إقليمية أو دولية.
في هذا السياق، تتحمّل القوى الشيعية الوطنية مسؤولية كبرى في إعادة توجيه البوصلة نحو مشروع الدولة الجامعة. فالسكوت عن تمدد الميليشيات أو الارتهان للخارج لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام وربما الفوضى الشاملة. ويبرز هنا دور التيار الصدري كقوة اجتماعية وسياسية واسعة الانتشار، إذ يمتلك القدرة على التأثير في المشهد العام.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق القوى الشيعية وحدها. فإقليم كوردستان بما يحمله من خصوصية سياسية وأمنية يواجه استحقاقات مهمة، داخلياً وخارجياً. فمن جهة، يُنتظر منه أن يواصل لعب دور الوسيط الحكيم والقناة الآمنة للتواصل مع القوى الشيعية المعتدلة لمنع انزلاق العراق إلى حرب أهلية.
وقد برز في هذا المجال دور الرئيس نيجيرفان بارزاني الذي استطاع عبر شبكة علاقاته المتوازنة أن يقرّب بين الساسة العراقيين ويخفّف من حدّة الأزمات، مانحاً العراق فرصاً ثمينة لتفادي الصدامات الشاملة. ومن جهة أخرى، يبقى الإقليم مطالباً بتوحيد قوات البيشمركة تحت مظلة مؤسساتية واحدة، وبمعالجة المظالم التاريخية في كركوك، إضافة إلى بناء علاقة سياسية واقتصادية أكثر وضوحاً وشفافية مع بغداد.
في المقابل، يحتاج العراق إلى إعادة التوازن في علاقاته الإقليمية عبر الانفتاح أكثر على محيطه العربي، ولا سيما دول الخليج، باعتبارها العمق الاستراتيجي الطبيعي والبيئة القادرة على دعم مشروع الدولة المستقلة. فالتقارب مع الخليج لا يفتح فقط آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري.
إن العراق يقفُ اليوم عند مفترق طرق خطير: إما أن يُستدرج إلى مزيد من الفوضى والارتهان للأجندات الخارجية، وإما أن يختار مسار الدولة الوطنية القادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها. ولتحقيق الخيار الثاني، لا بد من تضافر جهود جميع المكونات: الشيعية والكوردية والسنية وغيرها، ضمن عقد وطني جامع يعيد تعريف أسس الشراكة السياسية والاقتصادية.
الدرس الأبرز من العقود الماضية أن التفرُّد بالسلطة أو الارتهان للخارج لا يثمر إلا أزمات متلاحقة، أما بناء الدولة الحقيقية فلا يتحقق إلا بالشراكة المتوازنة، واحترام الخصوصيات، والالتزام بالدستور، وتغليب مصلحة المواطن على مصالح الأحزاب.
لقد منحت اللحظة التاريخية الراهنة العراق فرصة نادرة. فإذا ما التقت الإرادة الوطنية الشيعية مع الرؤية الكوردية الواضحة، وتعزز الدور التوفيقي للرئيس نيجيرفان بارزاني في تقريب الساسة العراقيين، وتزامن ذلك مع انفتاح أعمق على المحيط العربي والخليجي، يمكن عندها بلورة مشروع سياسي جديد يضع البلاد على طريق الاستقرار والتنمية. أما استمرار الرهان على السلاح المنفلت والولاءات الخارجية فلن يقود سوى إلى المزيد من الخراب.
المسؤولية الوطنية تفرض اليوم على القادة الشيعة التحرر من هيمنة الأذرع المسلحة، وعلى القيادة الكوردية تعزيز دورها الداخلي والخارجي، وعلى الدولة العراقية مجتمعة استعادة عمقها العربي. فهذا التلاقي وحده، القائم على مشروع دولة لا مشروع ميليشيات، كفيل بإنقاذ العراق ومنحه فرصة حقيقية للنهوض.