سقوط النظام البعثي في سوريا أيقظ الأحلام النائمة للأمم

       سقوط النظام البعثي في سوريا أيقظ الأحلام النائمة للأمم

دوران ملكي

إنّ سقوطَ نظام صدام حسين في العراق ونظام الأسد في سوريا اللذين خاضا العديد من الحروب في المنطقة وخاصة مع إسرائيل حيث كانت القضية الفلسطينية الركن الأساسي في سياسة البعث واتخذ من علم فلسطين علماً له، وكذلك سقوط حكم حسني مبارك كآخر الناصريين في مصر أديا إلى زعزعة أركان الأمة العربية المنشودة وسقوط أعمدتها الرئيسية، وحل محلها تيارات إسلامية متطرفة وطائفية أعادت إحياء صراعات عفا عليها الزمن تعود الى الخلفاء الراشدين، وسيطر على واجهة الفكر السياسي العربي دول الخليج التي كانت لا حول ولا قوة لها في عهد البعثيين والناصريين.
انقسمت دول الخليج إلى تيارين أحدهما يدعم التيارات الجهادية السلفية (قطر) والثاني يدعم التيارات الإسلامية المعتدلة (السعودية) وبذلك تشكلت أحلاف إقليمية في المجتمع الإسلامي السني مثل الحلف التركي القطري والحلف السعودي الإماراتي، وبالنقيض لهم إيران مع التيارات الشيعية في العراق ولبنان واليمن أي أن المجتمع الإسلامي الذي حل محل المجتمع القومي يعيش في حالة تخبط ووضعه في حالة يرثى لها.
هذا الوضع المتردي أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية 180درجة إلى الوراء وإحياء أحلام منسية للدول الإقليمية فإسرائيل بدأت تطرح حلمها «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» وتتكلم عن ممر داوود الذي يوصل إسرائيل إلى مياه الفرات، والداعمون لها يصرون على أن جغرافية إسرائيل قليلة، ويجب توسيعها بطريقة الهجرة كما يطرحها الرئيس للأمريكي دونالد ترامب من إفراغ قطاع غزة من سكانها ونقلهم إلى دول الجوار.
استفاق الميثاق الملي التركي أيضاً من قمقمه والذي تريد تركيا ضم أراضي كوردستان سوريا والعراق بحجة تواجد بعض الجيوب التركمانية في محافظات حلب والموصل وكركوك.
ولا يغفل عن بال أحد حجم الطموح الإيراني ومحاولاته للسيطرة على العالم الإسلامي وإحياء الإمبراطورية الفارسية والتي كانت تضم أراضي شاسعة في فترة ما قبل بداية التاريخ حيث الدولة الميدية فكانت تصل حدودها شرقاً إلى نهر جيحون في أفغانستان وغرباً إلى البحر المتوسط وشمالاً إلى مضيق البوسفور، ويعتبرون الدولة الأخمينية وريثة الدولة الميدية. ولا ننسى الطموح الغربي في إعادة المستعمرات بعد أن ألغيت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانسحبت جميع الدول من المستعمرات، وأعيد إحياؤها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
إن التواجد الغربي والتركي والإيراني والإسرائيلي بقوة في الشأن السوري سوف يولد صراعاً طويل الأجل لا ينتهي بين ليلة وضحاها وجميع الفاعلين متفقون على أن لا يستلم حكومة قوية زمام الأمور في دمشق والمآل هو الإبقاء على الوضع هكذا، أربع مناطق نفوذ وهي نفوذ روسي في الساحل، وتركي في الشمال، ونفوذ أمريكي في شرقي الفرات، وإسرائيلي في الجنوب والوسط السني سيعاني من مد وجزر وصراع مستمر من أجل تصغير جغرافيته لتبقى دمشق وحماه والبادية السورية.
السيناريوهات التي نراها الآن على الشاشات عبارة عن مضيعة للوقت وإلهاء الناس فقط والتكلم عن وحدة سوريا أرضاً وشعباً هو نوع من الهراء، الميثاق الملي سوف يتحقق جزءاً منه في مناطق حلب وإدلب وعفرين، وتحاول الدولة العميقة في تركيا إقناع الرئيس التركي رجب أردوغان بقبول التقسيم في سوريا والدخول إلى جغرافية شرق الفرات عن طريق تفعيل اتفاق أوجلان في سوريا أيضاً، وبذلك يتحقق الخيال سياسياً واقتصادياً، وإن لم يتحقق جغرافياً حيث ستضطر هذه المنطقة إلى عملية تكامل اقتصادي مع تركيا إسوة بإقليم كوردستان وتخطط الدولة العميقة في تركيا لمساعدة حكومة الإقليم في ضم المناطق المتنازع عليها مع الحكومة العراقية بما فيها الموصل أملاً منها أن يتم ضم إقليم كوردستان بالكامل بشكلٍ من الأشكال كنوع من الكونفيدرالية أو غيرها، وبذلك يتحقق الميثاق الملي.
تحاول إيران لملمة صفوفها بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية حيث تلقت صفعة قوية، وخسرت مناطق نفوذها في سوريا، وتحافظ بشتى الوسائل على البقية الباقية في لبنان والعراق واليمن، ولن تقف مكتوفة الأيدي، وخاصة بعد تشكل المحور العالمي المناهض للولايات المتحدة الأمريكية في قمة شنكهاي في الصين والتي ضمت العديد من الدول النووية مثل الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية والعديد من الدول التي تقف في رتل الانتظار مثل إيران وفنزويلا والبرازيل وتركيا وسوف تنضم إليهم اغلب الدول الأفريقية بسبب صراعاتها القديمة مع الغرب.
كلُّ هذا تدفع بإيران وبدعمٍ صيني إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل وهي بوادر حرب عالمية، ولا أحد يستطيع تقدير نتائجها والذي نعرفه ومتأكدين منه هو حقيقة المثل الكردي "نقاش العصافير على شعير الكورد) وسوف ينتقل حكمنا الحقيقي من مستعمر إلى آخر.