الانتخابات في سوريا بين الواقع والتحديات... وضرورة بناء مرحلة انتقالية حقيقية

الانتخابات في سوريا بين الواقع والتحديات... وضرورة بناء مرحلة انتقالية حقيقية

جكر سلو


تُعدّ عملية تنظيم الانتخابات ثاني أهم استحقاق في أي دولة بعد وضع الدستور، فهي شأن دستوري وسياسي بامتياز، ولا يمكن أن تكون هناك دولة ديمقراطية في ظل نظام انتخابي لا يلتزم بالمعايير الدولية والقانونية.

في الحالة السورية، ولا سيما بعد الخروج من الصراع، كان من الضروري أن تدعو السلطات السورية الحالية إلى مؤتمر حوار وطني جاد يضم مختلف المكونات السورية وممثليها، ويُفترض أن يُفضي هذا المؤتمر إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي تعبّر عن جميع مكونات المجتمع، تُناط بها مهام متابعة القضايا الوطنية الكبرى، وإلغاء السياسات السابقة غير العادلة، وإقرار تشريعات جديدة، إضافة إلى العمل على تنمية المناطق المهمشة التي حُرمت طويلاً من المشاركة السياسية، خصوصا الكورد الذين سُلبوا حتى حقوقهم الأساسية مثل حق الجنسية. كما يقع على عاتق هذه الهيئة وضع إعلان دستوري مؤقت لحين وصول سوريا إلى بر الأمان.

وكان قانون الانتخابات في ظل النظام السابق مليئا بالثغرات والمآخذ، من أبرزها مسألة إعادة الجنسية للمجردين منها ظلما، أي المكتومين وأجانب الحسكة، فضلا عن حرمان المهجّرين من المشاركة في العملية الانتخابية، وهو ما حرم سوريا من الاستفادة من إمكاناتهم في إعادة الإعمار وجلب الاستثمارات. والأهم من ذلك ضرورة المراجعة الدستورية الحقيقية، أي مراجعة الإعلان الدستوري الذي يُشكّل أساس أي عملية انتخابية شرعية.

لكن ما يُؤسف له أن حكومة دمشق الحالية، وبعد فرار الأسد، لم تتعامل مع هذه القضايا بالجدية المطلوبة. بل يبدو أن نهج الإقصاء والتهميش والسياسات التمييزية أصبح سلوكا متوارثا، ينتقل من نظام إلى آخر وبصورة مختلفة من خلال اعتماد إحصائية 2011 المليئة بالثغرات، بالإضافة إلى كونه سجلا انتخابيا مهترئا.

إلى جانب ذلك، فإن أي عملية انتخابية نزيهة تتطلب أولا توفير الاستقرار والأمان للناخبين، إضافةً إلى الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، إذ لا يمكن للناخب أن يُدلي بصوته بحرية في ظل الخوف والضغوط من الجهات المسيطرة. كما أن السجل الانتخابي المعتمد يعاني من ضعف شديد، وكون الانتخابات غير مباشرة وغير عامة، وهو ما يُقلل من مؤشر الديمقراطية وشفافية العملية برمتها.

وضعت اللجنة العليا للانتخابات مسودة النظام الداخلي لانتخابات مجلس الشعب، ورفعتها إلى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع للمصادقة عليها، بعد إجراء تعديلات على عدد المقاعد ليصبح إجمالي مقاعد المجلس 210، يعين الرئيس منهم ثلث الأعضاء، أي 70 عضوا، فيما يُنتخب الباقون. غير أن اللجنة اعتمدت نظاماً انتخابياً غير مباشر، واعتبرت كل منطقة دائرة انتخابية، في خطوة مثيرة للجدل يرى كثيرون أنها غير قانونية، لعدم وجود توافق وطني عليها، علاوة على وجود خلل في التقسيمات الإدارية بحسب قانون الإدارة المحلية المعتمد من قبل اللجنة العليا للانتخابات، مما يجعل العملية الانتخابية غير عادلة، ولما قد يترتب عليها من تراجع في مؤشرات الديمقراطية الحقيقية، بالرغم من التجارب القاسية التي عاشها السوريون في حقبة الأسد.

تبرر اللجنة العليا للانتخابات خطوتها بأن الظروف في سوريا لا تزال استثنائية، وأن ما تقوم به ما هو إلا محاولة لإضفاء نوع من الشرعية على الانتخابات، وأيضًا تبريرها بأن تنظيم انتخابات حرة بالكامل غير ممكن في ظل غياب الاستقرار والسلام.

إن ما يجري اليوم ليس انتقالاً إلى الديمقراطية والسلام، بل استمرار لنهج الاستبداد واحتكار السلطة بوجه جديد، ما لم يتم الاعتراف بكافة المكونات السورية وضمان حقوقها دستورياً.

لذا، لا بدّ من عملية سياسية جادّة تؤسس لدولة مواطنة متساوية، لا انتخابات مفصّلة على مقاس حكومة دمشق.