الجذور والتطوّر: مقاربة نقدية لمسار الحركة الكردية في سوريا

الجذور والتطوّر: مقاربة نقدية لمسار الحركة الكردية في سوريا

بهزاد دياب

إذا أردنا الإحاطة بأي حالة سياسية ذات بعد تاريخي ولفهم مساراتها، فمن الطبيعي الاعتماد على المنهج التحليلي التاريخي الذي يفرض العودة إلى البدايات لمعرفة السيرورة التي أفضت إلى النتائج، وأنتجت التداعيات.
في السياق الكوردي في سوريا، يمكن القول إن أبرز محطتين ساهمتا في تشكيل المشهد السياسي الكردي، وأفرزتا أزمات بنيوية ما زالت آثارها مستمرة، هما محطتان أساسيتان:
1- تأسيس جمعية خويبون
تأسست الجمعية في صيف 1927 بلبنان (تحت الانتداب الفرنسي)، وضمت زعامات كوردية أرستقراطية وعشائرية قادمة من كوردستان تركيا (خاصة بعد إخفاق ثورة الشيخ سعيد بيران 1925).
رفعت شعار استقلال كوردستان، وركزت على الجزء الشمالي (تركيا) باعتباره الهدف الأول وانتخبت الجمعية ١١ شخصاً لقيادة الجمعية فقط اثنان كانوا من كورد سوريا والبقية من كورد تركيا والعراق.!
عملياً، تم استخدام كورد سوريا كـ خزان بشري ومالي لدعم النضال في تركيا، بينما تُركت قضاياهم الخاصة (الهوية، الحقوق، التعليم، الوضع الاقتصادي) مهمّشة تماماً.
لم تُطالب الجمعية بإنصاف الكورد في سوريا أو مواجهة سياسات التفرقة في ظل الانتداب الفرنسي باستثناء مناشدة خجولة للسلطات الفرنسية لرفع الظلم عن الكورد، ما جعل وجودها بالنسبة للكورد السوريين أقرب إلى أداة خارجية مرتبطة بالظرف الإقليمي.!؟
2- المحطة الثانية تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا (1957)
جاء التأسيس في مناخ سياسي مضطرب: صعود التيارات العروبية (البعث، الناصرية) في سوريا، والتحالفات الإقليمية (حلف بغداد)، والتوتر السوري–التركي.
ورغم أن الحزب حمل اسم الديمقراطي الكوردستاني سوريا إلا أن شعاره المركزي كان: تحرير وتوحيد كوردستان (كل الأجزاء)، في انسجام مع خط الحركات الكوردستانية خارج سوريا (خصوصاً تركيا والعراق).
عملياً، تم تغليب البُعد القومي العام على الخصوصية السورية، أي أن معاناة الكورد السوريين (الحرمان من الحقوق السياسية، التهميش الاقتصادي، غياب الحقوق الثقافية) لم تُدرج كأولوية، بل تم التعامل معهم مجدداً كـطرف داعم لبقية الأجزاء.
بعض الباحثين يشيرون إلى أن أجهزة النظام السوري آنذاك لم تُمانع قيام الحزب بهذا الشكل لا بل شجعت على تأسيس الحزب لأنه كان يوجّه الأنظار نحو تركيا، ويستثمر في الصراع السوري–التركي إبّان حلف بغداد، بدل أن يركز على الداخل السوري لذلك لم يتعرض قيادات وكوادر الحزب إلى الملاحقة والتجريم من قبل مباحث المكتب الثاني خلال السنوات الثلاث الأولى من تأسيسه التي كان يشرف عليها عبدالحميد السراج في الوقت الذي كانت السجون تعجُّ بالوطنيين والديمقراطيين المعارضين إلى عام ١٩٦٠ بعد ان تلاشت خطورة حلف بغداد، فقامت السلطة بحملة اعتقالات بحق قيادات وكوادر حزب الديمقراطي الكوردستاني سوريا لتبدأ حلقات جديدة من مسلسل تقويض الحركة السياسية الكوردية وإرغامها على التخلي عن كل الشعارات والمفاهيم السياسية المطروحة والتي لم تكن توازن بين الواقع والطموح .
خلاصة القول:
المحطتان (خويبون 1927 والحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا 1957) تُمثلان إعادة إنتاج لنفس النمط: جعل الكورد السوريين في موقع الداعم أو الرافعة لقضايا كوردية في أجزاء أخرى، دون بلورة مشروع سياسي واقعي يعالج خصوصيتهم في سوريا.
النتيجة: فراغ سياسي لدى الكورد السوريين، وغياب إطار موحد يعبّر عنهم داخل سوريا بقرار وإرادة سياسية مستقلة، وقد أصبحت التأثر الواضح بالأطراف الكوردستانية سمة بارزة في بنية الحركة الحزبية، الأمر الذي جعلهم أكثر عرضة لسياسات التهميش والإنكار من قبل السلطات الحاكمة.
وما نشهده اليوم من انقسامات حادة وتشوهات بنيوية داخل الجسم السياسي الكوردي في سوريا ليس سوى انعكاس مباشر لولادة غير طبيعية ومسار متعثر لأنماط حزبية افتقدت منذ بداياتها إلى التوازن والواقعية، وأسهمت في تكريس أوضاع غير طبيعية، وحالات سياسية واجتماعية غير صحية، ما زالت تُضعف قدرة الكورد السوريين على تمثيل أنفسهم بفعالية ضمن المعادلة الوطنية السورية.