كوردستان بين الانتداب والوصاية: قراءة في مسار ثلاثة عقود (1991 – 2025)

كوردستان بين الانتداب والوصاية: قراءة في مسار ثلاثة عقود (1991 – 2025)

شيخ زيدو باعدري

منذ ربيع عام 1991، دخل إقليم كوردستان مرحلة تاريخية استثنائية شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسيرة الشعب الكردي. فقد جاء قرار مجلس الأمن الدولي 688 في نيسان من ذلك العام ليؤسس لما يمكن وصفه بـ"الانتداب الدولي غير المعلن"، إذ وفّر الغطاء السياسي والعسكري للتدخل الدولي، وأطلق عملية إنسانية – عسكرية حملت اسم المطرقة المرفوعة (Operation Provide Comfort) في مدينة سلوبي التركية.

هذه العملية، التي جاءت بعد مأساة النزوح الجماعي عقب قمع انتفاضة آذار، لم تنقذ أكثر من مليون كوردي من كارثة إنسانية فحسب، بل أرست أيضًا الأساس لأول تجربة حكم ذاتي كردي في التاريخ الحديث.

أولاً: المطرقة المرفوعة في سلوبي – البدايات (1991)

في أعقاب قمع الانتفاضة، نزح أكثر من مليون كردي نحو الحدود التركية – الإيرانية. أطلقت قوات التحالف الدولي عملية المطرقة المرفوعة في مدينة سلوبي التركية، بهدف إعادة النازحين إلى قراهم ومدنهم. العملية لم تقتصر على البعد الإنساني، بل حملت أبعادًا سياسية واستراتيجية:

فرض منطقة آمنة شمال خط العرض (36).

الإشراف على تطبيق الاتفاق الاستراتيجي بين الاتحاد الوطني الكوردستاني (اليكتي) والحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي).

ضمان احترام حقوق الأقليات الدينية والقومية (الإيزيديين، التركمان، المسيحيين)، وحقوق الإنسان عامة، بما في ذلك حقوق المرأة والطفل.

الحد من التدخلات الإيرانية والتركية في الشأن الداخلي لكوردستان العراق.

هذه الظروف مهّدت لتأسيس برلمان كوردستان عام 1992، كأول مؤسسة تشريعية منتخبة في الإقليم.

ثانياً: سقوط صدام وتكريس الحكم الذاتي (2003 – 2017)

شكّل سقوط النظام البعثي عام 2003 نقطة تحول محورية؛ إذ اعترف دستور العراق لعام 2005 بكوردستان كإقليم اتحادي.

تمتع الإقليم بفترة من النمو السياسي والاقتصادي، مدعومًا بتحالفاته الدولية. لكن هذه المرحلة لم تخلُ من قيود: الاعتماد المالي على بغداد. استمرار التدخلات الإقليمية. الخلافات الحزبية الداخلية التي حدّت من فاعلية المؤسسات.

ثالثاً: الاستفتاء وأحداث كركوك (2017)

في أيلول 2017، عبّر الشعب الكردي بإرادة واضحة عن رغبته في الاستقلال عبر الاستفتاء. غير أن أحداث تشرين الأول في كركوك شكّلت صدمة استراتيجية، إذ خسر الإقليم السيطرة على مناطق واسعة نتيجة ضغوط عسكرية وسياسية من بغداد وبتواطؤ إقليمي. هذه الأحداث أعادت الإقليم إلى دائرة الوصاية والتبعية، وأضعفت موقفه التفاوضي داخليًا وخارجيًا.

رابعاً: أزمات داخلية – السليمانية نموذجاً

مع تعاظم الضغوط الخارجية، برزت الخلافات الداخلية كعامل إضعاف إضافي. شهدت محافظة السليمانية أزمات سياسية واجتماعية، جسدت الانقسام بين القوى الكردية الرئيسية.
الانقسام الداخلي حوّل البرلمان أحيانًا إلى ساحة تعطيل بدل أن يكون أداة تشريع، مما عمّق أزمة الشرعية السياسية.
خامساً: تعطيل البرلمان والكابينة العاشرة

من أبرز مظاهر الأزمة السياسية في السنوات الأخيرة تعطيل البرلمان الكردستاني لفترات طويلة. إضافة إلى ذلك، تأخر تفعيل الكابينة العاشرة للحكومة، ما أدى إلى شلل تشريعي وتنفيذي ضرب ثقة الشارع الكردي بمؤسساته.

هذا الجمود منح بغداد والجوار مساحة أوسع للتدخل في الشأن الكردي، وأعاد الحديث عن "الانتداب الداخلي" عبر سيطرة الأحزاب على القرار السياسي.

الخاتمة: المطرقة المرفوعة بين الأمس واليوم

منذ أكثر من ثلاثة عقود، عاش إقليم كوردستان بين أشكال متعددة من الانتداب والوصاية:

انتداب دولي عبر عملية المطرقة المرفوعة ومنطقة الحظر الجوي (1991).

وصاية اتحادية بعد 2003 من خلال التبعية المالية والسياسية لبغداد.

ضغوط إقليمية بعد 2017 نتيجة الاستفتاء وأحداث كركوك.

انتداب داخلي بفعل الانقسامات الحزبية وتعطيل المؤسسات.

غير أن المطرقة المرفوعة في سلوبي تبقى رمزًا لتحالف الدفاع عن كوردستان، ليس فقط في بعدها العسكري، بل في رسالتها الإنسانية والسياسية. فهي تمثل البداية التي أعادت أكثر من مليون إنسان إلى ديارهم، وأرست قواعد تجربة سياسية فريدة، وأكدت أن الكورد – رغم كل الوصايات – قادرون على الصمود والبقاء. لقد طال زمن الانتداب على كوردستان، لكن المطرقة المرفوعة ستبقى عنوانًا لإرادة التحرر، ورمزًا لاستمرار النضال من أجل السيادة الكاملة، والكرامة الإنسانية، والعدالة لجميع مكونات كوردستان.