الرسائل المسمومة

الرسائل المسمومة

تورين شامدين

يشكّل الصراع الكوردي–التركي أحد أكثر الملفات استعصاءً في الشرق الأوسط. وإذا كانت أنقرة قد اعتمدت طوال عقود على أدوات القمع العسكري، فإنها باتت اليوم تعتمد بشكل متزايد على الحرب الناعمة، عبر إعادة صياغة وعي الخصم باستخدام أدوات نفسية ورمزية.
هنا يمكن فهم الرسائل المنسوبة إلى قادة كورد داخل السجون بوصفها جزءاً من استراتيجية تركية لا تقتصر على تقييد الأجساد، بل تمتد إلى تطويع الرموز وتوجيهها.
هذه الظاهرة ليست جديدة تاريخياً، بل نجدُ لها نظائر في تجارب شعوب أخرى خضعت لاستعمار أو احتلال أو أنظمة شمولية.
عبر التاريخ، لم يكن الأسر مجرّد حالة فردية، بل كان يستثمر كأداة لإنتاج شرعية بديلة: الاستعمار الفرنسي في الجزائر: اعتمد الفرنسيون على بعض القادة المحليين الذين كانوا تحت الإقامة الجبرية أو التهديد، لتسويق خطاب يهدف إلى تفتيت الحركة الوطنية الجزائرية. كان الهدف إظهار أن النضال الحقيقي يكمن في الاندماج لا الاستقلال.
الاحتلال البريطاني للهند: كثيراً ما لجأت بريطانيا إلى المساومة مع قادة في السجون، واستخدام تصريحاتهم المبتورة لتقويض الحركات الأكثر راديكالية، محاولة تصوير المقاومة كخيار غير واقعي.
الاتحاد السوفييتي: في فترات مختلفة، استخدم النظام شخصيات معارضة تم احتجازها لإضفاء شرعية على سياساته، حيث كانت الاعترافات القسرية تعرض كدليل على حكمة القيادة.
بهذا المعنى، ما يحدث في الحالة الكوردية ليس إلا إعادة إنتاج لسياسات قديمة، لكن بآليات معاصرة تستغل قوة الإعلام وشبكات التواصل لإعادة تدوير الرسائل بسرعة وانتشار واسع.
الرسائل التي تخرج من السجون ليست مجرد كلمات، بل أدوات لإعادة تعريف المشروع السياسي. تركيا تدرك أن الهزيمة العسكرية لم تكسر الحلم الكوردي، لذلك تلجأ إلى زرع بذور الاستسلام في المخيال الجمعي.
الرسائل الموجهة تحمل دائماً خطاباً مشتركاً: الدعوة إلى الواقعية، خفض السقف السياسي، والبحث عن حلول وسطية.
تاريخياً، هذا يشبه ما فعله الاستعمار البريطاني في إفريقيا، حين كان يروّج عبر زعماء محليين مقيّدين بأن الحكم الذاتي الجزئي هو الحل الواقعي، بينما الاستقلال الكامل ضربْ من الخيال.
تجارب الشعوب تؤكّد أن وعي الجماهير هو خط الدفاع الأول: في الجزائر، حين رفض الشعب الانصياع لخطاب الاندماج، انهار المشروع الفرنسي.
في الهند، قوة الجماهير بقيادة غاندي وجواهر لال نهرو أحبطت محاولات بريطانيا لاستغلال تصريحات جزئية من قادة أسرى لتقويض روح المقاومة.
أما في الحالة الكوردية، فإن أيّ قبول شعبي لهذه الرسائل المسمومة سيعني شرعنة وصاية العدو. لذلك، يبقى دور الجماهير أساسياً في ممارسة النقد ورفض أية وصاية رمزية تأتي من وراء القضبان.
في العلوم السياسية، توصف لحظات كهذه أنها اختبارات شرعية. القيادة الكوردية اليوم أمام خيارين:
إما تعرية الرسائل وفضح خلفياتها بوصفها جزءاً من مشروع تركي لإعادة إنتاج السيطرة.
أو الوقوع في فخ التبرير والتأويل، مما يحوّلها إلى أداة طوعية في تنفيذ استراتيجية العدو.
التاريخ الكوردي نفسه يوفّرُ دروساً مريرة: انقسامات الحركة الكوردية في العراق في السبعينيات والثمانينيات سهلت على بغداد وأنقرة وطهران اختراق الصفوف.
المساومات الداخلية في التسعينيات جعلت الكثير من الفرص تضيع. اليوم، كل تبرير يقدم باسم الحكمة أو الرمزية الأسيرة ليس سوى تواطؤ مع هندسة الهزيمة.
تركيا تتقن إدارة الرموز. حالة أوجلان ليست سوى مثال صارخ على ذلك: لقد تحول من رمز نضالي عند بعض الكورد إلى أداة تفاوضية بيد الدولة التركية.
كل رسالة تنشر باسمه تستخدم كأداة لتفكيك الصف الكوردي وإعادة إنتاج الخطاب التركي بمظهر شرعي.
هذا ليس مجرّد استثمار في شخص، بل في الذاكرة الجماعية الكوردية. فحين يقدّم رمز تاريخي كداعية للتراجع، فإن الجماهير تدفع نفسياً لقبول ذلك كتعبير عن الواقعية، في حين أنه ليس إلا إملاء من السجان.
في الصراعات يبين أن المعركة تمر بثلاث مراحل:
السيطرة على الأرض عبر العنف العسكري.
السيطرة على المؤسسات عبر التبعية السياسية.
السيطرة على الوعي عبر الرموز والشرعية.
تركيا، وقد عجزت عن كسر الكورد عسكرياً، تسعى اليوم إلى المرحلة الثالثة: السيطرة على المخيال الكوردي نفسه. وهذا هو أخطر أشكال السيطرة، لأنه يزرع الهزيمة من الداخل.
التجربة الكوردية اليوم ليست معزولة؛ إنها تتقاطع مع تجارب شعوب أخرى حاول الاستعمار والأنظمة الشمولية إخضاعها عبر توظيف الرموز والأسرى. لكن كما أثبت التاريخ، الشعوب التي تمتلك وعياً نقدياً صلباً وقيادات مسؤولة، نجحت في تحويل هذه المؤامرات إلى محفزات للمقاومة لا إلى أدوات للهزيمة.
إن الواجب الوطني يقتضي: تفكيك هذه الرسائل المسمومة وكشف بنيتها الخطابية.
بناء وعي جماهيري مقاوم يرفض وصاية السجان.
تحمّل القيادة الكوردية لمسؤوليتها التاريخية في إفشال استراتيجية أنقرة الرمزية.
إن الحلم الكوردي، المتجذّر في التاريخ والمعاناة والدماء، لا يختزل في سطور تكتب في أقبية الأسر، بل يصاغ في إرادة حرة، ووعي جمعي قرر أن يكتب مصيره بنفسه.