سوريا الجديدة لن تُبنى دون شراكة الكورد وضمان حقوقهم الدستورية
أحمد آلوجي
منذ عقود طويلة يعيش الشعب الكوردي في سوريا تحت وطأة سياسات الإقصاء والاضطهاد الممنهج، بدءًا من الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي جُرّد بموجبه عشرات الآلاف من الكورد من جنسيتهم السورية، وحُرموا من أبسط حقوقهم المدنية، مروراً بمشروع الحزام العربي في سبعينيات القرن الماضي، وما رافقه من سياسات تغيير ديموغرافي وتوطين العرب الغُمر في قلب المناطق الكوردية، وصولًا إلى تطبيق مذكرات محمد طلب هلال التي دعت صراحةً إلى طمس الهوية القومية للكورد عبر أساليب التعريب الممنهج من القرى إلى الأفراد، وما تبعها من تضييق شامل على الحقوق الثقافية والسياسية.
هذه السياسات لم تكن مجرد قرارات إدارية متفرقة، بل عكست نهجاً استراتيجياً هدفه إلغاء الوجود القومي للكورد وإبعادهم عن معادلة الدولة الوطنية السورية. واليوم، وبعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع السوري، لا يزال التعامل الرسمي مع الكورد محكومًا بذات سياسة التهميش، وكأن السلطة في دمشق لم تستوعب دروس التاريخ، ولم تُدرك أن تجاهل المكونات الوطنية لا يجلب سوى مزيد من الأزمات والانقسامات.
مع تفاقم الأزمة السورية وفرار رأس السلطة البعثية من البلاد حاولت بعض القوى إعادة إنتاج السياسات القديمة بوسائل جديدة، في محاولة لطمس المكونات الوطنية وفي مقدمتها الكورد. إلا أن هذا الشعب، بعد عقود من الظلم، بات أكثر وعيًا بحقوقه السياسية والدستورية، وأكثر تصميمًا على أن يكون شريكًا أساسيًا في صياغة مستقبل سوريا.
من حق الحركة السياسية الكوردية اليوم أن ترفع سقف مطالبها وتتمسك بحقوقها الدستورية والقانونية، لا باعتبارها منحة من السلطة، بل كاستحقاق تاريخي ووطني. فالتهميش لم يعد مقبولًا بعد أن دفع الكورد أثماناً باهظة دفاعاً عن الاستقرار والعيش المشترك، وكانوا دائما جزءاً أصيلاً في حماية الأرض والشعب.
على السلطة في دمشق أن تدرك أن أي مسار تفاوضي لا يمكن أن يُختزل بدعوات فردية أو محاولات لتفريغ القضية الكوردية من مضمونها وتحويلها إلى ملف تقني أو أمني. إن ما تحتاجه سوريا اليوم هو اعتراف صريح بأن للكورد قضية قومية مشروعة، لا تُحل إلا عبر مسار سياسي وطني يضمن مشاركتهم العادلة ويعترف بحقوقهم الثقافية والقومية في إطار سوريا موحّدة ديمقراطية.
كما أن أساليب التهديد والتخويف، سواءً عبر ورقة التدخلات الخارجية أو عبر التلويح بالإقصاء، لم تعد ذات جدوى في زمن الوعي الشعبي المتنامي. الكورد لم يعودوا معزولين، بل يستندون إلى عمق قومي وسياسي يتمثل في إقليم كوردستان الذي أثبت مراراً وقوفه إلى جانب حقوق أشقائه في سوريا. وقد شدّد الرئيس مسعود بارزاني في مناسبات عديدة على أن الاعتراف بحقوق الكورد في سوريا ضرورة وطنية لضمان الاستقرار، مؤكدًا أن دور الكورد لا يمكن اختزاله أو تجاهله. وهذا الموقف لا يدخل في إطار التدخل الخارجي، بل يعكس عمق الروابط القومية وتجارب مشتركة في مواجهة الظلم والتهميش.
لقد أثبت إقليم كوردستان ، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، أنه يمثل سنداً سياسياً ومعنوياً للكورد في كل مكان. وهذا الدعم ينبع من وعي قومي بأن تجاهل القضية الكوردية في سوريا لن يؤدي إلا إلى تكرار مآسي الماضي، بينما الاعتراف بها يشكّل أساسًا متينًا للاستقرار المستقبلي. إن ما يطرحه بارزاني ليس سوى دعوة عقلانية لحلول وطنية متوازنة تقي سوريا خطر الانقسام وتفتح أمامها أفقًا جديدًا نحو الديمقراطية.
إن الطريق إلى حل الأزمة السورية يبدأ من عقد اجتماعي جديد يعترف بجميع المكونات القومية والدينية، ويضع حدًا لسياسات الإقصاء التي أثبتت فشلها. وفي هذا الإطار، ينبغي أن تكون الحركة السياسية الكوردية شريكًا رئيسيًا في صياغة الدستور القادم بما يضمن الاعتراف بالكورد كقومية ثانية في سوريا، ويكفل حقوقهم السياسية والثقافية والإدارية.
لقد أثبت التاريخ أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن محاولات الطمس والإلغاء مآلها الفشل. والكورد في سوريا لم يعودوا يطالبون بأكثر من حقهم الطبيعي في الحياة والاعتراف، وآن الأوان للسلطة في دمشق أن تتعامل مع هذه الحقيقة بجدية ومسؤولية، قبل أن تضيع فرصة بناء سوريا جديدة عادلة يتساوى فيها جميع أبنائها.