الإعلام السياسي والذكاء الاصطناعي.. من وعد الشفافية إلى خطر التضليل

الإعلام السياسي والذكاء الاصطناعي.. من وعد الشفافية إلى خطر التضليل

زينه عبدي

في زمن التكنولوجيا والثورة الرقمية الراهنة بات الذكاء الاصطناعي والإعلام السياسي وجهين لعملة واحدة، بينما يوفر الذكاء الاصطناعي فرصاً لا مثيل لها وغير مسبوقة لترسيخ المشاركة السياسية وتعزيزها ما أمكن، فإنه بذات الوقت يحمل بين طياته مخاطر جمة أصبحت تشكل خطراً وتهديداً لحرية الرأي والتعبير والديمقراطية التي هي حديث الشارع في كل زمان ومكان.
المستقبل اليوم مرهون بمدى قدرتنا على جعل الذكاء الاصطناعي مناصراً وشريكاً فاعلاً للإنسان ليكون حراً، وليس وسيلة للهيمنة. لذلك التحدي الأكبر في الوقت الراهن هو العمل الجاد على صياغة وإقرار إطار أخلاقي وقانوني هدفه الأساسي خلق نوع من التوازن بين كيفية الاستفادة من تقنية الذكاء الاصطناعي وتأمين الحماية الكاملة للمجتمع والفرد من خطرها.
الإعلام السياسي قبل الذكاء الاصطناعي
قبل مجيء الذكاء الاصطناعي ودخوله في عالم الإعلام والصحافة، كان الإعلام السياسي يستند إلى أدوات ووسائل تقليدية مثل التلفاز والإذاعة والجرائد كمصادر لنقل الأخبار، وكان الجمهور المستهدف متلقياً سلبياً بشكل حرفي، والإعلاميون هم الوسطاء لصياغة ما يريدون أن يظهر وما يُحجَب. كانت بعض الوسائل خاضعة للرقابة الحزبية والسلطات الحاكمة، والبعض الآخر كانت تتمتع بنوع من الاستقلالية، إلا أن التغيير الأكبر قد حدث أثناء الدخول المفاجئ والكبير للذكاء الاصطناعي في الوسط الإعلامي، واختراقه له بصورة جسيمة، وباتت الخوارزميات هي من تحكم وتسيطر على المحتوى المرئي والمسموع والمطبوع بما فيها السوشيال ميديا بدلاً من السياسيين والمحررين ذوي الأجندات ذات الطابع السياسي.
في الأنظمة التي كانت تتمتع بالديمقراطية لعب الإعلام السياسي دور السلطة الرابعة بغية كشف مكامن الفساد ولا سيما في السلطات، أما في الأنظمة السلطوية فقد كان الإعلام يُستخدَم لتلميع صورة السلطة. كانت الكلمة تؤخذ كحقيقة بسبب غياب وسائل التحقق عكس المشهد الآن. بالإضافة إلى تداول المعلومة بصورة بطيئة لا سيما في القرارات السياسية والخطاب السياسي كان رسميا وموجها بنمط صارخ، ويضاف إلى ذلك محدودية الإعلام في التأثير بالرأي العام رغم قوته، على سبيل المثال كانت استطلاعات الرأي تتم عبر مراكز الدراسات والأبحاث خلال مدد زمنية لربما طويلة عكس ما هو الآن التي تتم من خلال البيانات والخوارزميات.
كأداة للتمكين
رغم الجدل الهائل حول الذكاء الاصطناعي، إلا أنه قدم طاقات ومؤهلات هائلة للإعلام السياسي: تعزيز وترسيخ الشفافية بصورة أكبر من خلال قدرته على تحليل وتشخيص كافة الوثائق المرتبطة بالحكومة وعملها وبالتالي كشف بؤر الفساد المتشظي في غالبية المؤسسات التابعة لها. تسريع صياغة وكتابة الخبر والمعلومات السياسية بالسرعة الفائقة عبر آلياتها الخاصة المتطورة مثل بعض الوكالات العالمية التي تعتمد على أنظمة تولد كافة المعلومات والتقارير ذات الصلة بالانتخابات مثلا، وبالتالي تعزيز إنتاج المحتوى السريع. الانتشار الجسيم لأنظمة الذكاء الاصطناعي في متابعة ورصد المعلومات المضللة والكاذبة من قبل شركة فيس بوك وغوغل (على سبيل المثال). تحليل البيانات كما المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بغية التعرف على توجهات الجمهور.
الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي في الإعلام السياسي
أتاح الذكاء الاصطناعي للإعلام السياسي آفاقاً جمة فيما يتعلق بتحليل الرأي العام وتوجهات الجمهور، وكذلك السرعة الفائقة بإنتاج المحتوى الإعلامي، لكن هذا الاستخدام لديه مخاطر جوهرية ربما تكون تهديداً مباشراً للديمقراطية في حال غياب الضوابط والمعايير الأخلاقية والمهنية، وأبرزها التزييف والتضليل الإعلامي(deepfake) لا سيما فيما يتعلق بإنتاج صور وصوتيات وفيديوهات مزيفة لشخصيات سياسية وعامة التي بدورها ستشعل فتيل الأزمات كما كان الحال في الانتخابات الأمريكية.
من أسوأ ما يمكن أن تمنحه المنصات الرقمية هو أن خوارزمياتها تقدم لمستخدميها المحتوى الذي يتطابق مع ميولهم فقط، وهذا يخلق ما يسمى الفقاعة الإعلامية وجعل الفرد داخل دائرة محكمة الإغلاق تؤطر الأفكار وتولد الشرخ والانشطار، وبالتالي تتراجع الثقافة المنضوية تحت الحوار والنقاش والتفاوض، الأمر الذي من شأنه تصعيد خطاب الكراهية داخل المجتمعات.
بعض الشركات التكنولوجية الكبيرة مثل X وميتا باتت تتحكم بالخوارزميات محددة بذلك ما يمكن إظهاره للمستخدم تارة وما يمكن إخفاءه عنه تارة أخرى. بمعنى هناك ما يُدعى السيطرة السرية أو الخفية لهذه الشركات والتي قد تجعل الإعلام السياسي مستسلماً لمصالح من يمولها ويغذيها اقتصادياً عوضاً عن كونه مساحات للحوار والنقاش.
قلل الاتكال على ما يسمى بالروبوتات الصحفية من دور الصحفي الإنسان لا سيما في النشر والتحقيق وتدقيق المعلومات، وبذلك يكون المحتوى المنتج عبرها مفتقرة إلى السياق السياسي وعمقه مما يعرض الجمهور المستهدف لسطحية المحتوى بدلاً من التحليل الجاد والنقدي الفعال.
بمعنى أن الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي في الإعلام قادر على توليد وبناء وعي مضلل ومزيف، وانشطار المجتمعات، وتوجيه الإرادات السياسية كيفما تشاء، وهذا ما يفرض أطر قانونية ومعايير أخلاقية حازمة لحماية الإعلام كي لا يتحول إلى فضاء للفوضى رقمياً.
دخل الذكاء الاصطناعي فضاء الإعلام السياسي كأداة فاعلة أعادت بناء المشهد الإعلامي بصورة جوهرية، فقد سرعت نقل المعلومات والأخبار عبر طرق غير مسبوقة يتم خلالها تحليل البيانات معززة بذلك الشفافية، كما أنه وبذات الوقت يقدم محتوى ذات مخاطر هائلة كالأخبار المضللة والكاذبة، والفيديوهات المفبركة.
الإعلام السياسي في عصر الذكاء الاصطناعي بات في مفترق طرق، وهناك خياران لا ثالث لهما وهو إما أن يصبح أداة للتضليل، أو أن يكون وسيلة للتحرير. وهنا لا بد من التنويه والإشارة إلى المسؤولية الحقيقية، التي تقع على عاتق الجميع دون استثناء من صحفيين/ات وأكاديميين/ات والجمهور بكل فئاته والسلطة وصناع القرار، حول مستقبل المعلومة وما ترافقها من حقيقة.