غربي كوردستان: الجغرافيا والثروات في قلب الصراع الدولي
إبراهيم حاج صبري
يتمتّع غربي كوردستان بمكانة خاصة في المشهد الجغرافي والسياسي للشرق الأوسط، فهو يقع في منطقة استراتيجية على الحدود مع تركيا شمالاً والعراق شرقاً، ويشكل امتداداً مهماً للمجال الكردي التاريخي. هذه المنطقة لم تكن مجرد فضاء جغرافي، بل تحولت بفعل ثرواتها الطبيعية ومواردها الزراعية وموقعها الاستراتيجي إلى بؤرة صراع دائم بين قوى محلية وإقليمية ودولية.
وقد شهدت تحوُّلات كبرى خلال العقود الأخيرة، بلغت ذروتها مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حيث برز المشروع الكردي العام بوصفه تعبيراً عن طموحات الكرد في الحرية والاعتراف القومي، وقد اتخذ أشكالاً متعددة، لكن جوهره ظل يتمحور حول اللامركزية السياسية والإدارية ضمن إطار دولة سورية موحدة، مما يضمن حق الكرد في الحكم المحلي والمشاركة في القرار السياسي، مع الحفاظ على وحدة سوريا واستقرار مؤسساتها الوطنية.
إن ما يميز كوردستان سوريا هو تداخل العوامل الاقتصادية والجغرافية مع البعد القومي والسياسي. فهي تضم ثلاث مناطق رئيسية تمثل ركائز هذا الوجود: الجزيرة في محافظة الحسكة، التي تُعد أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية والزراعية؛ عفرين شمال غرب حلب، التي اشتهرت ببساتين الزيتون وزراعتها الغنية؛ وكوباني وتل أبيض، اللتان تمثلان جسراً استراتيجياً بين شرق الفرات وغربه، هذا التوزع الجغرافي لم يمنح الكرد قاعدة اقتصادية فقط، بل جعل مناطقهم محل أطماع القوى الكبرى التي تسعى إلى التحكم بمفاصل الطاقة والحدود والممرات.
في الجزيرة، تتركز أهم الحقول النفطية السورية، وعلى رأسها رميلان والجبسة، اللتين شكلتا منذ خمسينيات القرن الماضي العمود الفقري لإنتاج الطاقة في البلاد. كما أن هذه المنطقة تضم أراضيَ زراعيةً واسعةً جعلتها لُقب "سلة غذاء سوريا"، حيث تنتج القمح والقطن والشعير بكميات كبيرة. هذا الغنى جعلها قاعدة اقتصادية للمشروع الكردي في سوريا، إذ مثلت الموارد ضمانة مادية لأي صيغة حكم محلي أو لامركزي.
أما عفرين، فهي منطقة جبلية خصبة تقع شمال غرب حلب، وتمتاز بغطاء نباتي كثيف وأراضٍ زراعية غنية، على رأسها بساتين الزيتون التي تجاوز عددها خمسة عشر مليون شجرة قبل عام 2018. الزيتون في عفرين لم يكن مجرد محصول زراعي، بل كان يمثل روح المنطقة وثقافتها واقتصادها. لكن هذه الثروة تعرضت لدمار واسع بعد سيطرة الجيش التركي والفصائل المسلحة الموالية له خلال عملية "غصن الزيتون". فقد تم قطع عشرات الآلاف من الأشجار، ومصادرة المحاصيل، وفرض الإتاوات على المزارعين، وتحويل الإنتاج الزراعي إلى أداة تمويل للفصائل، ما أدى إلى حرمان السكان الأصليين من مصدر رزقهم الأساسي. كما تعرضت المنطقة لعمليات تهجير واسعة، حيث أُجبر عشرات الآلاف من الكرد على مغادرة منازلهم، وتم إسكان عائلات من مناطق سورية أخرى مكانهم، في سياسة تغيير ديمغرافي هدفت إلى تفريغ المنطقة من طابعها الكردي التاريخي.
كوباني وتل أبيض بدورهما تشكلان بعداً آخر للصراع. كوباني، التي ذاع صيتها عالمياً بعد صمودها الأسطوري في وجه تنظيم داعش عام 2014 موقعها على نهر الفرات وعلى الحدود التركية جعلها مركزاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. أما تل أبيض، فهي نقطة وصل حيوية بين الجزيرة وكوباني، ما جعلها هدفاً مباشراً لتركيا التي احتلتها عام 2019 خلال عملية "نبع السلام"، لتقطع بذلك التواصل الجغرافي بين المناطق الكردية شرق وغرب الفرات.
الضغوط التركية على الكرد لم تكن محصورة بالجانب العسكري، بل شملت أبعاداً سياسية واقتصادية وثقافية. تركيا ترى في أي مشروع كردي شكلاً من أشكال الحكم المحلي اللامركزي، تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولذلك لجأت إلى سلسلة من العمليات العسكرية كان هدفها الأساسي إضعاف هذا المشروع ومنع ترسخه. في الوقت نفسه، استخدمت أنقرة نفوذها الدولي، سواء عبر عضويتها في حلف شمال الأطلسي أو من خلال تفاهماتها مع روسيا، لتبرير تدخلاتها وإيجاد أرضية لتوسعها داخل الأراضي السورية.
لكن الاحتلال التركي لم يتوقف عند السيطرة العسكرية، بل امتدّ إلى محاولة تغيير هوية المناطق التي دخلها. ففي عفرين مثلاً، جرى تغيير أسماء القرى والشوارع إلى أسماء تركية، وفرضت اللغة التركية في المدارس، ورفعت الأعلام التركية في الدوائر الرسمية. هذا السلوك يعكس نزعة تهدف إلى طمس الهوية الكردية للمنطقة، وإلحاقها ثقافياً واقتصادياً بالمجال التركي. إلى جانب ذلك، عانى السكان من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان شملت الاعتقالات التعسفية والنهب والابتزاز، ما جعل الوضع الإنساني في المنطقة كارثياً.
إن المشروع الكردي في سوريا، القائم على اللامركزية ضمن دولة سورية موحدة، يواجه تحديات هائلة. وهو محاصر من كل الجهات: النظام السوري يرفض الاعتراف بشرعيته أو إدماجه في أي حل سياسي شامل، تركيا تسعى إلى تقويضه عسكرياً وسياسياً، والقوى الدولية تتعامل معه بانتقائية تخضع لحسابات مصالحها. ومع ذلك، يظل هذا المشروع تعبيراً عن إرادة جماعية لدى الكرد في سوريا، الذين يرون فيه أفقاً لتحقيق الحكم المحلي والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على وحدة الدولة السورية واستقرار مؤسساتها الوطنية.
في ضوء هذا الواقع، يبدو غربي كوردستان نموذجاً صارخاً لكيف يمكن أن تتحول الجغرافيا والثروة من مصدر قوة وازدهار إلى بؤرة نزاع وصراع.
النفط في الجزيرة، والزيتون في عفرين، والموقع الاستراتيجي لكوباني وتل أبيض، جميعها عناصر جعلت المنطقة محط أطماع القوى، ودفعَ سكانُها الأصلاء ثمناً باهظاً من التهجير والحرمان والاستنزاف المستمر.
رغم ذلك، تبقى هذه المناطق شاهداً على إرادة البقاء والمقاومة لدى الشعب الكردي، الذي يسعى للحفاظ على هويته وحقوقه في إطار المشروع الكردي العام المستقبلي، القائم على اللامركزية ضمن سوريا موحدة.