ثقافة الموت
فرهاد شاهين
بلاد تتنفس المظلوميات التاريخية ثقافة وسياسة، أحزاباً وأنظمة، أفراداً وجماعات، ماذا سنرث غير الانتقام والثأر، وغير الإقصاء والإلغاء، وغير المجازر والمقابر الجماعية، وغير المشاريع السياسية التقسيمية والانفصالية، وغير مشاريع الحماية والوصاية الأجنبية...
المظلومية التاريخية اليهودية:
التي حدثت في الغرب في عهد الدولة الدينية المسيحية وما حدث لليهود من اضطهاد وما تلاه من محرقة سميت "بالهلوكوست" ابان حكم النازية... وما تم تضخيمه إعلامياً واستثماره سياسياً وتبريره تاريخياً في خرافة وعد الله لهم بوطن قومي ديني في فلسطين على حساب شعبها وأهلها وارتكاب أكبر مأساة إنسانية على مستوى العصر بخلق صراع دامي عنيف لن ينتهي في المدى القريب والبعيد...
المظلومية التاريخية المسيحية:
التي تتنفس ما لحق بالمسيحيين سكان الهلال الخصيب ووادي النيل الأصليين إبان قيام الدولة الدينية الإسلامية من أسلمة بالسيف ومصادرة دور عبادتهم والتعامل مع من بقي منهم كأهل ذمّة ومواطنين درجة ثانية في أحسن أحوالهم أو هم بقايا الصليبين في أدبيات الإسلام السياسي...
المظلومية التاريخية الشيعية:
التي تتنفس ما لحق لأهل البيت واستبعاد "علي بن أبي طالب" عن الخلافة وقتل "الحسين" في عهد الصراع على الخلافة إبان قيام الدولة الأموية الإسلامية وما حدث من فتن بين الشيعة والسنة وما يتم الآن من نبش القبور واستنطاق التاريخ على أثر قيام الدولة الشيعية الإيرانية...
المظلومية التاريخية العلوية:
بما لحق بهم من اضطهاد في عهد الدولة الإسلامية العثمانية إضافة للأقليات الأخرى...
المظلومية السنية:
التي تتنفس من تحويل ما حدث في سوريا في عهد النظام البائد إلى حرب طائفية وقتل وتدمير وتهجير أغلب المدن واستغلال ذلك من قبل أطراف الصراع...
المظلومية التاريخية الكردية:
بما لاقوا من اضطهاد وإقصاء واستبعاد على أساس الأصل والعرق واللغة إضافة لأقليات لغوية وعرقية أخرى...
شعوب تتنفس هذه المظلوميات وتطمر رأسها في الماضي وجسدها في الحاضر ماذا سترث أجيالها غير الحروب المدمرة؟
نحن أمام طريقين لا ثالث لهما:
إما أن نبقى رحماً خصباً لولادة الاستبداد والاستعباد بكل أشكاله ونكون نهر موت وضفتي دماء مع هروب فردي وجماعي للناس مع فائض من العنف والفقر والجهل...
أو نجترح طريق المستقبل في بناء دولة تتبنى نظام اللامركزية السياسية حرة تتأسس:
على الأساس التعبيري الإنساني في بناء حقوق الإنسان، حقوق المواطنين المدنية والسياسية...
وعلى الأساس التعبيري الوطني في تأسيس هوية وطنية جامعة تقوم على الانتماء الأساسي الاجتماعي الذي تنتجه دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية المفتوحة على مداها الحيوي التي تقوم على رابطة الاستقرار والاشتراك في المتحد وذلك بفصل الديني والعرقي واللغوي عن السياسي في الدولة....
إن لم نرحم أنفسنا لا أحد سيرحمنا في الأرض ولا في السماء.