الهوية الوطنية المشتركة والمواطنة الفاعلة
د. هفال سليمان ميرو
التربية المدنية الوطنية: تعزيز قيم المواطنة والانتماء للدولة الوطنية الواحدة، واحترام التنوع، من خلال المناهج التعليمية والبرامج الثقافية على المستوى الوطني مع مراعاة الخصوصيات المحلية.
الرموز الوطنية المشتركة: الحفاظ على دور الرموز الوطنية (العلم، النشيد، الأعياد الوطنية) كمرتكزات للهوية الجامعة التي تتجاوز الانتماءات المحلية.
المشاركة السياسية على المستويين: تشجيع مشاركة المواطنين ليس فقط في الشؤون المحلية، بل في الانتخابات الوطنية والقضايا ذات البعد القومي أيضاً، مما يعمق ارتباطهم بالكيان الأكبر.
الإعلام الوطني الجامع: وجود وسائل إعلام وطنية تعكس التنوُّع وتوفّر منصة للحوار الوطني وتقارب وجهات النظر.
- آليات فعالة لحل النزاعات:
القضاء الدستوري المستقل: وجود محكمة دستورية أو مجلس دولة يتمتع بالاستقلالية والسلطة للفصل بشكل نهائي في النزاعات الدستورية أو القانونية التي تنشأ بين الحكومة المركزية والوحدات اللامركزية أو بين الوحدات اللامركزية نفسها (مثال: المحكمة الدستورية الفيدرالية في بلجيكا).
الوساطة والتحكيم: تطوير آليات غير قضائية سريعة وفعالة مثل الوساطة والتحكيم لحل الخلافات الإدارية أو السياسية قبل تصاعدها.
عوائق نجاح تطبيق اللامركزية:
يجب الاعتراف بأن تحقيق هذا التوازن ليس سهلاً. تواجه الأنظمة اللامركزية تحديات مثل:
الاستقطاب الإقليمي: عندما تتعمق الفجوات الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية بين المناطق.
ضعف القدرات المحلية: نقص الخبرة أو الموارد البشرية في بعض الوحدات اللامركزية يعيق فعاليتها.
سوء استخدام الصلاحيات: إمكانية قيام حكومات محلية باستغلال صلاحياتها لتعزيز أجندات انفصالية أو التمييز ضد فئات معينة.
تعقيد الإجراءات: كثرة مستويات الحكم وآليات التنسيق قد تؤدي إلى البيروقراطية وبطء اتخاذ القرار.
اقتراح تطبيقي كحل للوضع في سوريا:
يمكن اقتراح العناصر التالية كحل من أجل تحقيق التعايش السلمي والازدهار في سوريا بعد سنوات من الصراع، نقترح نموذجاً مرناً للحكم اللامركزي يجمع بين عناصر الفيدرالية والكونفدرالية، مع مراعاة التنوع السوري. يشمل هذا الإطار:
- الهيكل السياسي: نظام فيدرالي مُعدّل
- اللامركزية الإدارية: تُقسّم سوريا إلى مناطق تتمتع بالحكم الذاتي، تُدار محلياً وفقاً للخصائص الثقافية والاقتصادية لكل منطقة، مع ضمان حقوق الأقليات فيها. تتولى هذه المناطق مسؤولية الصحة والتعليم والأمن الداخلي والإدارة المحلية. وتحتفظ الحكومة الفيدرالية بالسيطرة على السياسة الخارجية والدفاع والعملة والبنية التحتية الوطنية.
- العناصر الكونفدرالية: تُمنح الولايات صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، مع خيار التعاون الطوعي في مجالات مثل الطاقة والمياه والتجارة من خلال مجلس تنسيقي (على غرار الاتحاد الأوروبي).
التوزيع العادل للثروة: إنشاء صندوق اتحادي لإعادة توزيع عائدات النفط والغاز والزراعة بين المناطق بناءً على الكثافة السكانية واحتياجات التنمية. تشجيع الاستثمار الخاص من خلال حوافز ضريبية، مع ضمان شفافية العقود.
- ضمان التمثيل العادل والشمولية:
الحوكمة التشاركية: حصص دستورية لممثلي جميع المكونات (العرب، الأكراد، المسيحيون، إلخ) في البرلمان الاتحادي. تناوب المناصب الرئاسية أو التنفيذية بين المكونات الرئيسية. اعتماد حق "الفيتو البنّاء" للأقليات على القرارات المصيرية (مثل التعديلات الدستورية).
آليات حل النزاعات: إنشاء محكمة دستورية عليا مستقلة، تضم قضاة من خلفيات متنوعة، للفصل في النزاعات بين الولايات والمركز.
مكافحة الفساد: هيئة اتحادية مستقلة لمكافحة الفساد.
- للتغلب على المخاوف والصعوبات:
لمعالجة خوف الانقسام يمكن التركيز على الوحدة الثقافية من خلال مناهج تعليمية تعزز قيم التنوع، وإعلام يعزز الهوية السورية الجامعة.
التدخل الخارجي: اعتماد سياسة خارجية متوازنة والاستفادة من الوساطة الدولية لإدارة النفوذ الإقليمي.
وبالتالي، فإن النموذج المقترح ليس حلاً سحرياً، بل هو محاولة للموازنة بين استقلالية المكونات ووحدة الدولة. ويعتمد نجاحه على الإرادة السياسية المحلية والدعم الدولي الذي يُعلي مصالح الشعب السوري فوق الأجندات الخارجية.
الخاتمة
لا تعني اللامركزية تفتيت الدولة، بل هي إعادة تنظيم للحكم تعتمد على دعائم قوية تضمن الوحدة. الإطار الدستوري الواضح، آليات التنسيق الفعالة، النظام المالي العادل والمتضامن، تعزيز الهوية الوطنية المشتركة، ووجود قضاء مستقل لحسم النزاعات، تشكل مجتمعة العناصر الحيوية التي تمكن الأنظمة اللامركزية من تحقيق غاياتها في تقريب الحكم من الناس مع الحفاظ على تماسك الكيان الوطني وسيادته. نجاح اللامركزية في دعم الوحدة يعتمد على التطبيق الحكيم لهذه العناصر، مع المرونة الكافية لمواجهة التحديات الناشئة والتكيف مع الظروف الخاصة لكل دولة. اللامركزية الفعالة هي، في جوهرها، نظام حكم قادر على إدارة التنوع وتعايش الهويات المتعددة تحت مظلة هوية جامعة ومشروع وطني مشترك.